البدع ومناهج المبتدعة بين الإمامين: ابن تيمية والشاطبي
دراسة أصولية مقارنة –

البشير محمد شمام

قسم الدراسات الإسلامية || كلية التربية || جامعة المجمعة || المملكة العربية السعودية

button link=”https://doi.org/10.26389/AJSRP.B191218” color=”orange”] DOI[/button] PDF

تناول البحث بالدراسة مفهوم البدعة عند الإمامين (ابن تيمية والشاطبي)، وقدم نماذج من تحقيقاتهما حول أهل البدع، وبيّن الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة والاستحسان، ومراتب البدع وبعض الأحكام المتعلقة بها عندهما. توصل الباحث إلى تحديد خصائص البدعة عند كل من الإمامين شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي، وأنها عندهما ليست على رتبة واحدة، وأن متعلقها العبادات دون العادات، وأوضح منهجهما في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة والاستحسان. الكلمات المفتاحية: البدعة ، السنة، ابن تيمية، الشاطبي، المصلحة، الاستحسان.

مقدمة:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

إن الدين الخاتم قد رسم الصيغة النهائية لجريان الحياة على أقوم السبل، الصيغة التي ارتضاها الله عز وجل لعباده، وحثهم على اتباعها لتتحقق لهم سعادتهم في العاجل والآجل، وهي مع ما فيها من جوانب مرنة، فيها أيضا جوانب ثابتة لا ينبغي التزيد فيها، ولا الانتقاص منها ولا الانقلاب عليها.

مشكلة البحث: السؤال الرئيس للبحث هو: إذا كان الدين قد رسم الصيغة النهائية لما ينبغي أن تسير عليه الحياة البشرية، فما أثر البدع في تشويه تلكم الصيغة؟ وتتفرع عن هذا السؤال جملة من الأسئلة الفرعية منها:

  1. هل متعلق البدع الِاعْتِقَادَات وَالْعِبَادَات(الجانب الثابت)، دون العادات(الجانب المرن) فيكون من خصائص البدع أن تخرج عن قطعيات الشَّارِعُ الحكيم؟
  2. وما موقف الإمامين من بعض الطوائف الغالية مثل الرافضة والصوفية والمعتزلة؟
  3. هل ينحصر أهل البدع في طائفة معينة؟
  4. ما الفرق بين الْمَصَالِح الْمُرْسَلَة والاستحسان وبين البدع؟
  5. هل البدع في رتبة واحدة، أو على نسبة واحدة؟ وهل يُكفّر كل مبتدع؟
  6. وهل البدع مثل المعاصي أم هي شر من المعصيــة؟
  7. وهل تتناوب على البدع الأحكام الخمسة أم أنها لا تكون إلا ضلالة؟
  8. وهل يمكن رد البدع إلى النظر المقاصدي وذلك بحسب ما تقع فيه من رتب الضَّرُورِيَّاتِ، أَوِ الْحَاجِيَّاتِ، أَو التّحسينات أم أن جَمِيع الْبِدَعِ رَاجِعَةٌ إلى الإِخلال بالضروريات؟
  9. هل الْمَعَاصِي وَالْمُنْكِرَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ بدع؟
  10. هل مجرد اعتقاد المعتقد الفعل مشروعاً، وهو ليس بمشروع، يسمى بدعة؟…

أهداف البحث:

    1. يسعى الباحث لوضع مفهوم منضبط للبدعة من خلال تتبع ما قاله إمامان جليلان لهما الباع الطويل في هذا المجال: ابن تيمية والشاطبي رحمهما الله.
    2. بيان متعلق البدع وخصائصها وضابطها وحكمها ورتبتها، والفرق بينها وبين المعاصي بنظر ابن تيمية والشاطبي.
    3. بيان موقف الإمامين (ابن تيمية والشاطبي) من بعض الطوائف الغالية، وهل ينحصر أهل البدع في طائفة معينة.
    4. توضيح الفرق بين الْمَصَالِح الْمُرْسَلَة والاستحسان وبين البدع عند الإمامين: (ابن تيمية والشاطبي).

أهمية البحث:

هذا البحث محاولة لاستجلاء جهود عَلَميْن من أعلام الأمة في الإجابة عن هذه الأسئلة على أنه ينحى في ذلك المنحى التقعيدي التأصيلي.

سبب اختيار موضوع البحث:

دعاني لاختيار البدعة موضوعا للبحث أن العديد من الشباب اليوم لا يكادون يفهمون ما البدع، وما يُسْتَحسِنُ من محدثات الأمور وما يُذَمّ.

الدراسات السابقة، والإضافة الجديدة التي يحملها هذا البحث:

كتبت العديد من البحوث والكتب والرسائل الجامعية عن البدعة من حيث مفهومها، ونشأتها، والموقف من أهلها، والأثر السيء لانتشارها، وأنواعها…، ومن هذه الدراسات:

  1. حقيقة البدعة وأحكامهالسعيد بن ناصر الغامدي: نشرته مكتبة الرشد، الرياض في جزأين بتاريخ 1419 ه- 1999م، تحدث المؤلف عن شروط العمل المقبول، وضرورة الاعتصام بالسنة، وذم البدع، ولمحة تاريخية لظهور البدع في الأمة الإسلامية، وأسبابا ذلك وموقف السلف منها، ونبذة موجزة لبعض المؤلفات في البدعة، ودراسة موجزة لأهمها، ليخلص إلى بيان معنى البدعة لغة واصطلاحا، ومفهوم البدعة عند أهل السنة وأدلتهم، ومفهوم البدعة عند غير أهل السنة، وشبههم وناقشهم في ذلك، ثم ذكر أقسام البدع، وحكم البدعة والمبتدع
  2. البدعة وخطأ فهمها لدى طلبة الجامعة الإسلامية العالمية – ماليزيا: بحث تكميلي قدّم لنيل درجة الماجستير في علوم الوحي والتراث (قسم الفقه وأصوله) كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية الجامعة الإسلامية العالمية – ماليزيا، إعداد: منى بنت عبد الفتاح، في سبتمبر 2008م هذا البحث عبارة عن دراسة لمفهوم البدعة. تناولت الباحثة فيه بالبيان معنى البدعة لغًة واصطلاحًا وتقسيما، كما تعرضت للخطأ السائد في فهم البدعة لدى طلبة الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا وأمثلته، ثم ناقشت الأسباب التي أدت إلى الخطأ في فهم البدعة وآثارها وعلاجها.
  3. كتاب: اتباع لا ابتداع. . قواعد وأسس في السنة والبدعة، تأليف حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة، كانت الطبعة الثانية بتاريخ 1425 هـ- 2004 م صدرت ببيت المقدس في جزء واحد تناول المؤلف في كتابه أصول في السنة والبدعة وذكر الأدلة من الكتاب والسنة التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع، ثم عرج على تعريف البدعة وبيّن مناهج العلماء في ذلك، وبيّن أن الأصل الأصيل في باب العبادات هو الاتباع وساق الأدلة والبراهين على ذلك، ثم أعقب ذلك بذكر تقسيمات للسنة وللبدعة ووضح حكم الابتداع وأسبابه وأسباب انتشار البدع، كما أشار إلى البدع المنتشرة واقتصر على أهمها وأشهرها مثل البدع المتعلقة بالآذان والنية والصلاة والدعاء والجمعة والعيدين والجنائز والاحتفالات والمواسم، وختم بالحديث عن البدع المتعلقة بالمسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة.

لكني لم أجد من جمع بين منهجي ابن تيمية والشاطبي في بحث واحد، والإضافة التي يحملها هذا البحث من حيثيتين:

  1. من حيث الجمع بين منهجي إمامين من أعلام الأمة كان لهما الجهد المقدر في تقصّي مفهوم البدع، ورسم حدودها.
  2. من حيث أنه بحث ينحى في طرحه المنحى التقعيدي التأصيلي

خطة البحث:

لأغراض البحث قسمته ثلاثة مباحث، تحت كل مبحث مطالب، وذلك وفق الهيكلة الآتية:

  1. المبحث الأول: مفهوم البدعة عند الإمامين.
    1. المطلب الأول: تعريف البدعة لغة واصطلاحا.
    2. المطلب الثاني: مصطلح البدعة وموارده عند الإمامين.
    3. المطلب الثالث: نماذج من تحقيقات ابن تيمية والشاطبي حول أهل البدع.
  2. المبحث الثاني: بين البدعة والمصلحة والمرسلة والاستحسان عند الإمامين.
    1. المطلب الأول: بين البدعة والمصلحة المرسلة عند الإمامين.
    2. المطلب الثاني: بين البدعة والاستحسان عند الإمامين.
  3. المبحث الثالث: مراتب البدع وبعض الأحكام المتعلقة بها عند الإمامين.
    1. المطلب الأول: مراتب البدع وبعض الأحكام المتعلقة بها عند ابن تيمية.
    2. المطلب الثاني: مراتب البدع وبعض الأحكام المتعلقة بها عند الشاطبي.

المبحث الأول: مفهوم البدعة عند الإمامين: ابن تيمية والشاطبي.

المطلب الأول: البدعة: دراسة معجمية وفي رحاب القرآن والسنة.

أولا: البدعة: في اللغة والاصطلاح:

  1. البدعة لغة:

البدعة- موضوع هذه الدراسة- تقابلها السنة، والسنة في اللغة(1): الطريقة. وهي مأخوذة من ” السَّنَن”، وهو الطريق. يقال: خذ على سَنَنِ الطريقِ، وسُنَنِهِ، وسُنُنِهِ) (2)، وسُنَّةُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: طريقته التي كان يتحرّاها، وسُنَّةُ الله تعالى: طريقة حكمته، وطريقة طاعته(3).

وقيد البعض السنة بالطريق المحمودة، قال الاَزهري، السُّنّة الطريقةُ المستقيمة المحمودة(4)، ولم ير البعض هذا القيد، قال ابن منظور: “السُّنَّة: السِّيرَةُ، حَسَنَةً كَانَتْ أَو قَبِيحَةً”(5)، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: سِيرَتُهُ(6)، والحق أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أشمل من سنته، إذ تشمل السيرة حياته كلها، ولا تشمل السنة إلا ما بعد البعثة.

والسنة في الاصطلاح لها معان اصطلاحية كثيرة، منها:

  1. ووردت على أنها قسيم للقرآن ومنه حديث: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ(7)، قال ابن الأثير رحمه الله: يُقَالُ فِي أدِلَّة الشَّرع الكِتابُ والسُّنَّة، أَيِ الْقُرْآنُ والحديث(8).
  2. والسنة في اصطلاح المحدثين: أقوال النبي- صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلقية. وزاد بعضهم: وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم: وعلى هذا فهي مرادفة للحديث في اصطلاحي السابقين(9).
  3. أما السنة عند الأصوليون فهي: المفسرة للكتاب، وإليها الرجوع في بيان مجملات الكتاب وتخصيص ظواهره وتفصيل محتملة(10)، وقد تستقل بالتشريع، فهي أحد الأدلة الشرعية النقلية.
  4. وأما عند الفقهاء فالسنة تطلق على المندوب وهو ما يرادف النفل، وهو ما فِعْله خير من تركه، أو ما طلب فعله طلباً غير جازم(11)، أي من غير افتراض ولا وجوب وبعضهم يقول هو ما أثيب فاعلها وعوقب تاركها(12)، وهو غير دقيق لأنه تعريف بالثمرة، والثمرة ليست هي حقيقة الشيء، ومبنى التعاريف إنما يكون على بيان الحقيقة والماهية.
  5. وقد تطلق السنن على الرواتب المشروعة قبل الفرائض وبعدها.
  6. كما قد تطلق السنن على الصلوات المفروضة نفسها كما في حديث ابن مسعود: «إِنْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنَ الْهُدَى الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ»(13) ، وقد ترجم له مسلم بقوله: بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى(14).
  7. وقد يراد بالسنة الطريقة المسلوكة في الدين على سبيل الوجوب أو على سبيل الانتفال، وهو المقصود هنا(15).

وقد تطلق السنة على الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض وَلَا وجوب(16).

  1. وتطلق السنة على ما يقابل البدعة(17)، ويعرفها ابن تيمية بأنها: (ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فُعل على زمانه، أم لم يفعله ولم يفعل على زمانه، لعدم المقتضي حينئذ لفعله، أو وجود المانع منه، فإنه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة، كما أمر بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب(18)، وكما جمع الصحابة القرآن في المصحف(19)، وكما داوموا على قيام رمضان في المسجد جماعة(20)، ‏فيدخل في مفهوم السنة عند شيخ الإسلام وفق هذا التعريف:
  1. ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم.
  2. ما فُعل على زمانه، ويُقيّد هذا بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم.
  3. ما ثبت أنه أوصى به أن يُفعل بعد وفاته.
  4. ويدخل أيضا في مفهوم السنة عند ابن تيمية عمل الصحابة سيما السابقين منهم، والخلفاء الراشدين، قال رحمه الله(21): ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: {عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ(22).

ويعرف الشاطبي السنة التي هي في مقابل البدعة بأنها كل عَمِلٍ عَلَى وَفْقِ مَا عَمِلَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ ذَلِكَ مِمَّا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ أَوْ لَا، وَيُقَالُ: “فُلَانٌ عَلَى بِدْعَةٍ” إِذَا عَمِلَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ(23).

والسنة عند الشاطبي تشمل أيضا عمل الصحابي، يقول رحمه الله وَيُطْلَقُ أَيْضًا لَفْظُ السُّنَّةِ عَلَى مَا عَمِلَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ(24)؛ لِكَوْنِهِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُمْ لَمْ تُنْقَلْ إِلَيْنَا(25).

بل وتوسع الشاطبي في مفهوم السنة لتشمل عنده اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم، فأدخل فيها إجماعهم، وما استندوا فيه إلى المصالح المرسلة والاستحسان، يقول رحمه الله: “…أَو ِاجْتِهَادًا(26). مُجْتَمَعًا عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ خُلَفَائِهِمْ؛ فَإِنَّ إِجْمَاعَهُمْ إِجْمَاعٌ، وَعَمَلُ خُلَفَائِهِمْ رَاجِعٌ أَيْضًا إلى حَقِيقَةِ الْإِجْمَاعِ من جهة4 حمل الناس عليه حسبما اقْتَضَاهُ النَّظَرُ الْمَصْلَحِيُّ عِنْدَهُمْ؛ فَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْإِطْلَاقِ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ وَالِاسْتِحْسَانُ، كَمَا فَعَلُوا فِي حد الخمر، وتضمين الصناع، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ قَوْلُهُ(27)، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ”(28)، فيتَحَصَّلَ مما تقدم أن السنة عند الشاطبي تشمل قسمين كبيرين:

  1. قَوْلُهُ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَفِعْلُهُ، وَإِقْرَارُهُ سواء أكان ذلك بتلقّ أو عن اجتهاد.
  2. مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَوِ الْخُلَفَاءِ، سواء أكان ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو عن اجتهاد.

وعلى هذا فالسنة عند الشاطبي أشمل مما هي عليه عند ابن تيمية، حيث أدخل في مفهومها اجتهاد الصحابة، سواء بالاستنباط من النص، أو بالاستنباط بالرد عليه، أو بمراعاة المصالح أو بالاستحسان، وعلى هذا يكون مذهب الصحابي حجة عند الشاطبي، بل ويلحق في الحجية بالسنن المأثورة.

أما البدعة لغة: فقال الخليل: (البَدْعُ: إحداثُ شيءٍ لم يكن له من قبلُ خلقٌ ولا ذكرٌ ولا معرفةٌ. والله بديعُ السموات والأرض ابتدعهما، ولم يكونا قبل ذلك شيئاً يتوهّمهما متوهّم، وبدع الخلق. والبِدْعُ: الشيء الذي يكون أولاً في كل أمر، كما قال الله عز وجل: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9] (29).

وقال الراغب: (الإِبْدَاع: إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء…وإذا استعمل في الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة)، وقال: والبِدْعةُ في المذهب: إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة(30).

وقال الاَزهري: المبتدع الَّذِي يَأْتِي أمرا على شِبْه لم يكن ابتدأه إيّاه(31).

وقال ابن فارس: الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْعَيْنُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ وَصُنْعُهُ لَا عَنْ مِثَالٍ، وَالْآخَرُ الِانْقِطَاعُ والْكَلَالُ(32).

وقال ابن منظور: بدع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه(33).

وقال الجوهري: أبدعت الشيئ: اخترعته لا عَلى مثالٍ. والله تعالى بَديعُ السموات والأرض. والبَديعُ: المبتدِعُ، والبَديعُ: المبتدَعُ أيضاً(34).

ثانيا: مفهوم البدعة: القرآن والسنة:

  1. موارد البدعة في ا3لقرآن الكريم: من موارد اللفظ ومشتقاته في القرآن قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] يعني منشئها على غير حد ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه، يقال له مبدع، ولذلك قيل لمن خالف في الدين: مبتدع، لإحداثه ما لم يسبق إليه(35). وقوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9]، أي ما كنت أول من أرْسِلَ(36).
  2. موارد البدعة في السنة النبوية المطهرة: وقد ورد الحديث عن البدعة في السنة في مواضع منها:

قوله صلى الله عليه وسلم: «شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»(37).

قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ»(38).

وورد عند مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي»(39)، قوله ابدع بي، أي انقطع بي، ويقال أبدعت الركاب إذا كلت وانقطعت(40).

وعلى أساس هذه الجولة المعجمية، وفي الكتاب والسنة لمعنى البدعة، نخلص إلى أن الأغلب في مادة “ب د ع” إحداثُ شيء بلا احتذاء ولا اقتداء، وعنه تفرعت سائر المعاني وتنزلت على ما يناسبها من خصوصيات:

  1. فالله بديع إذ أوجد بغير آلة، وأنشأ على غير حد ولا مثال.
  2. والمبتدع من لم يستنّ بصاحب الشريعة، واخترع في الدين ما لم يُسبق إليه.
  3. والمبدع من أنشأ في مجال الدنيا ما لم يسبق إليه.
  4. والبِدْع من كل أمر أوله…وهكذا.

‏المطلب الثاني: تعريف البدعة عند الإمامين ابن تيمية والشاطبي: ‏

  1. تعريف البدعة عند ابن تيمية: اختلفت عبارة ابن تيمية رحمه الله في تعريف البدعة، فمرة أوردها مقيدة بمجالي الاعتقادات والعبادات، قال رحمه الله، “الْبِدْعَةُ: مَا خَالَفَتْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْ إجْمَاعَ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ”(41).

ومرة أوردها مطلقة حيث قال: “الْبِدْعَة مَا لم يشرعه الله من الدّين فَكل من دَان بشيء لم يشرعه الله فَذَاك بِدعَة وَإِن كَانَ متأولا فِيهِ”(42)، أي مما استحدثه الناس، ولم يكن له مستند في الشريعة.

وكذا عرفها بقوله: ” الْبِدْعَةَ فِي الدِّينِ هِيَ مَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَهُوَ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا اسْتِحْبَابٍ. فَأَمَّا مَا أَمَرَ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ وَعُلِمَ الْأَمْرُ بِهِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ: فَهُوَ مِنْ الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ وَإِنْ تَنَازَعَ أُولُو الْأَمْرِ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا مَفْعُولًا عَلَى عَهْدِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَمَا فُعِلَ بَعْدَهُ بِأَمْرِهِ “(43)

وعلى هذا من خصائص البدعة عند ابن تيمية:

  1. مخَالَفَتها الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وإجْمَاعَ سَلَفِ الْأُمَّةِ: أي أنها تتعلق بما لم يشرعه الله من الدّين، بل استحدثه الناس وليس له مستند شرعي، أما ما أمر به الشارع سواء كان مفعولاً على عهده- صلى الله عليه وسلم- أو لم يكن لا يسمى بدعة.
  2. أن تتعلق بالِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، دون العادات، على الأرجح.
  3. أن المحدثات لا تسمى بدعة حتى تنسب إلى الدين ويعتقد أن فيها مثوبة، ينتزع هذا من قوله “البدعة في الدين”، ويؤخذ صريحا من قوله: (وَأَمَّا الْمُحْدَثَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ الْمُحْدَثَاتُ فِي الدِّينِ وَهُوَ أَنْ يُحْدِثَ الرَّجُلُ بِدْعَةً فِي الدِّينِ لَمْ يَشْرَعْهَا اللَّهُ) (44).
  4. أن تكون المحدثات لا دليل عليها البتة، فان كان عليها دليل ولو محتملا فلا تدخل في البدعة، بل تكون من المسائل المتنازع في شرعيتها: من أصاب فيها الحق فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد.
  5. البدع قد تكون عن تأويل فاسد أو بعيد.

4: البدعة عند الشاطبي

عقد الشاطبي رحمه الله بابا في تَعْرِيفُ الْبِدَعِ وَبَيَانُ مَعْنَاهَا(45)، فبيّن أن أفعال العباد لَا تَعْدُو ثلاثة أحكام: حُكْمٌ يَقْتَضِيهِ الْأَمْرِ، ايجابا وندبا، وَحُكْمٌ يَقْتَضِيهِ النَّهْيِ، كراهة أو تحريما، وَحُكْمٌ يقتضيه التخيير، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، ثم أوضح أن الْمَطْلُوبُ تَرْكُهُ لَمْ يُطْلَبْ تَرْكُهُ إِلَّا لِكَوْنِهِ مخالفاً للقسمين الآخرين، وجعله عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ، وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة، مع تجرّد النَّظَرِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ.

وَالثَّانِي: أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ، وَيُنْهَى عَنْهُ لكونه مخالفة تضاهي التَّشْرِيعِ، مِنْ جِهَةِ ضَرْبِ الْحُدُودِ، وَتَعْيِينِ الْكَيْفِيَّاتِ، وَالْتِزَامِ الْهَيْئَاتِ الْمُعَيَّنَةِ، أَوِ الْأَزْمِنَةِ الْمُعَيَّنَةِ، مَعَ الدَّوَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الذي يراه بِدْعَة، ويسمّى فاعله مبتدعاً، وعلى هذا تكون البدعة عنده ما نهي عنه لا لذاته بل لمضاهاته التشريع، وبناء عليه سعى لوضع تعريف منضبط للبدعة فقال: “فَالْبِدْعَةُ إِذَنْ عِبَارَةٌ عَنْ طَرِيقَةٍ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٍ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، ثم قال: وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يُدْخِلُ الْعَادَاتِ فِي مَعْنَى الْبِدْعَةِ وإنما يَخُصُّهَا بِالْعِبَادَاتِ، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ أَدْخَلَ الْأَعْمَالَ الْعَادِيَّةَ فِي مَعْنَى الْبِدْعَةِ، فَيَقُولُ: البدعة طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، ومال الشاطبي رحمه الله إلى ترجيح اختصاصها بالعبادات حيث قال: “وَإِنَّمَا قُيِّدَتْ بِالدِّينِ، لِأَنَّهَا فِيهِ تُخْتَرَعُ، وَإِلَيْهِ يُضِيفُهَا صَاحِبُهَا. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَتْ طَرِيقَةً مُخْتَرَعَةً فِي الدُّنْيَا عَلَى الْخُصُوصِ لَمْ تُسَمَّ بِدْعَةً، كَإِحْدَاثِ الصَّنَائِعِ(46).

يخلص الباحث إلى أن خصائص البدعة عند الشاطبي الآتي:

    1. أن تكون طريقة مخترعة، أي لا أصل لها، بل هي طَرِيقَةٌ مبتدعة عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ تَقَدَّمَهَا.
    2. أن تكون خَارِجَةٌ عَمَّا رَسَمَهُ الشَّارِعُ الحكيم، وعليه فإن العلوم الإسلامية كالفقه وأُصُولِه، وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْخَادِمَةِ لِلشَّرِيعَةِ، لا تعد بدعا لأِنَّهَا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ، فَأُصُولُهَا مَوْجُودَةٌ فِي الشَّرْعِ.
    3. أن تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، أي أَنْ تُشْبِهها في الظاهر، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ. بَلْ هِيَ مُضَادَّةٌ لَهَا

من حيث إدخال بعض القيود على العبادة، كَإدخال قيد القيام وعدم الاستظلال على عبادة الصيام(47)، أو من حيث الْتِزَامُ كيْفِيَّاتِ وَهَيْئَاتِ مُعَيَّنَةِ لم يوجبها الشرع، كَالذِّكْرِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ(48)، أو من حيث الْتِزَامُ عِبَادَاتِ مُعَيَّنَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يُوجَدْ لَهَا ذَلِكَ التَّعْيِينُ فِي الشَّرِيعَةِ.

    1. أن يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى، وعليه فَكُلُّ مَا اخْتُرِعَ مِنَ الطُّرُقِ فِي الدِّينِ مِمَّا يُضَاهِي الْمَشْرُوعَ وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّعَبُّدُ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مسمى البدعة عنده.

ولأن البدعة طريقة مخترعة لا أصل لها في الدين عند الشاطبي فقد رد ما زعمه القرافي(49) من تقسيم البدع إلى الأحكام التكليفية الخمسة، مخالفا بذلك اتفاق المالكية في إنكار البدع مطلقا(50)، وتعجب الشاطبي مِنَ نقل القرافي للإجماع ثم إقدامه على خَرْقِه(51).

المطلب الثالث: نماذج من تحقيقات ابن تيمية والشاطبي حول أهل البدع.

أولا: تحقيقات ابن تيمية حول أهل البدع: يرى شيخ الإسلام أن الرافضة أوغل الطوائف في البدع، وأشدهم قدحًا في السلف، وأقواهم طعنًا في جمهور المسلمين، يقول رحمه الله: “وَالرَّافِضَةُ أَشَدُّ بِدْعَةً مِنَ الْخَوَارِجِ، وَهُمْ يُكَفِّرُونَ مَنْ لَمْ تَكُنِ الْخَوَارِجُ تُكَفِّرُهُ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَكْذِبُونَ عَلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالصَّحَابَةِ كَذِبًا مَا كَذِبَ أَحَدٌ مِثْلَهُ، وَالْخَوَارِجُ لَا يَكْذِبُونَ، لَكِنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا أَصْدَقَ وَأَشْجَعَ مِنْهُمْ، وَأَوْفَى بِالْعَهْدِ مِنْهُمْ، فَكَانُوا أَكْثَرَ قِتَالًا مِنْهُمْ، وَهَؤُلَاءِ أَكْذَبُ وَأَجْبَنُ وَأَغْدَرُ وَأَذَلُّ(52)، وقال في موضع آخر: “لَيْسَ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبَةِ إلى الْإِسْلَامِ مَعَ بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ شَرٌّ مِنْهُمْ: لَا أَجْهَلَ وَلَا أَكْذَبَ، وَلَا أَظْلَمَ، وَلَا أَقْرَبَ إلى الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَأَبْعَدَ عَنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ(53)، وقال أيضا: “وَلَكِنَّ الرَّافِضِيَّ أَخَذَ يُنْكِرُ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ بِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يُجَرِّحُهَا بِهِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، ظَانًّا أَنَّ طَائِفَتَهُ هِيَ السَّلِيمَةُ مِنَ الْجَرْحِ وَقَدِ اتَّفَقَ عُقَلَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَكْثَرُ جَهْلًا وَضَلَالًا وَكَذِبًا وَبِدَعًا، وَأَقْرَبُ إلى كُلِّ شَرٍّ، وَأَبْعَدُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ مِنْ طَائِفَتِهِ(54).

وفي المقابل يرى طوائف أخرى أقرب إلى طريقة السلف، وإن وجدت عليهم بعض المؤاخذات، مثل الأشعرية الذين يقول عنهم: “وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلْأَشْعَرِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ كَلَامًا حَسَنًا هُوَ مِنْ الْكَلَامِ الْمَقْبُولِ الَّذِي يُحْمَدُ قَائِلُهُ إذَا أَخْلَصَ فِيهِ النِّيَّةَ، وَلَهُ أَيْضًا كَلَامٌ خَالَفَ بِهِ بَعْضَ السُّنَّةِ هُوَ مِنْ الْكَلَامِ الْمَرْدُودِ الَّذِي يُذَمُّ بِهِ قَائِلُهُ إذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ(55).

ولابن تيمية كلام عن الصوفية قريبا مما قاله عن الأشعرية، من حيث إنه لم يعدّلهم بإطلاق ولا بدّعهم بإطلاق، يقول رحمه الله: “تَنَازَعَ النَّاسُ فِي طَرِيقِهِمْ؛ فَطَائِفَةٌ ذَمَّتْ ” الصُّوفِيَّةَ وَالتَّصَوُّفَ “، وَقَالُوا: مُبْتَدِعُونَ خَارِجُونَ عَنْ السُّنَّةِ وَنُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ، وَطَائِفَةٌ غَلَتْ فِيهِمْ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَكِلَا طَرَفَيْ هَذِهِ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ، والصَّوَابُ عند ابن تيمية ” أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا اجْتَهَدَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ فَفِيهِمْ السَّابِقُ الْمُقَرَّبُ- بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ- وَفِيهِمْ الْمُقْتَصِدُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ، وَفِي كُلٍّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ مَنْ قَدْ يَجْتَهِدُ فَيُخْطِئُ، وَفِيهِمْ مَنْ يُذْنِبُ فَيَتُوبُ أَوْ لَا يَتُوبُ. وَمِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ مَنْ هُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ عَاصٍ لِرَبِّهِ. وَقَدْ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالزَّنْدَقَةِ؛ وَلَكِنْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ لَيْسُوا مِنْهُمْ: كَالْحَلَّاجِ مَثَلًا؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِ الطَّرِيقِ أَنْكَرُوهُ وَأَخْرَجُوهُ عَنْ الطَّرِيقِ(56).

وشنع شيخ الإسلام على المعتزلة في منهجهم الغالي في العقل على حساب النقل، ونسبهم بذلك الغلو إلى الابتداع، قال رحمه الله: “فَأَما مُعَارضَة الْقُرْآن بمعقول أَو قِيَاس فَهَذَا لم يكن يستحله أحد من السّلف وَإِنَّمَا ابتدع ذَلِك لما ظَهرت الْجَهْمِية والمعتزلة وَنَحْوهم مِمَّن بنوا أصُول دينهم على مَا سموهُ معقولا وردوا الْقُرْآن إِلَيْهِ وَقَالُوا إِذْ تعَارض الْعقل وَالشَّرْع إِمَّا أَن يُفَوض أَو يتَأَوَّل فَهَؤُلَاءِ من أعظم المجادلين فِي آيَات الله بِغَيْر سُلْطَان أَتَاهُم”(57).

ثانيا: تحقيقات الشاطبي حول أهل البدع: لا يرى الشاطبي حصر أهل البدع في طائفة معينة، لكنه نبّه- رحمه الله- على مآخذ في الاستدلال من تلبس ببعضها أو كلها كان مبتدعا، وفي ما يلي خلاصتها (58).

  1. تكلفهم الاستدلال بأَدلة السنّة على خصوصيات مذاهبهم، ودعوى أَنهم أصَاحِبُ السُّنَّةِ دُونَ غيرهم.
  2. يتبعون المتشابه، ويسعون في تأويله بما يوافق أهواءهم.
  3. طلب الأدلة لتصحيح الأهواء، فَلَيْسَ نَظَرِهِمْ فِي الدَّلِيلِ نظرَ الْمُسْتَبْصِرِ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَحْتَ حُكْمِهِ، بَلْ نَظَرُ مَنْ حَكَمَ بِالْهَوَى، ثُمَّ أَتى بِالدَّلِيلِ كَالشَّاهِدِ لَهُ.
  4. اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الأَحاديث الْوَاهِيَةِ الضَّعِيفَةِ، وَالْمَكْذُوبِ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّتِي لَا يَقْبَلُهَا أَهل صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ، ولا يُبنى عيها حكم، ولا تُجعل أَصلاً في التَّشْرِيعِ أَبداً.
  5. رَدُّهم لِلْأَحَادِيثِ الصحيحة التي جاءت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، بدعوى مخالفتها للمعقول، وعدم جريانها عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ؛ كإنكار عَذَابِ الْقَبْرِ(59)، والصراط (60)، والميزان(61)…إلخ.
  6. تَخَرُّصُهُم عَلَى الْكَلَامِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْعَرَبِيَّيْنِ من غير تمكن من عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ الذي به يفهم عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فيُخَالِفُونَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، ثم أورد رحمه أمثلة من أخطائهم، إلى أن قال: وَكَثِيرًا مَا يُوقِعُ الْجَهْلُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مخازٍ لَا يَرْضَى بِهَا عَاقِلٌ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالْعَمَلِ بِهِ، بِفَضْلِهِ.
  7. انْحِرَافُهُمْ عَنِ الأُصول الْوَاضِحَةِ إلى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ والحال أنه لَا يُمْكِنُ أَنْ تعارِض الفروعُ الجزئيةُ الأُصولَ الكليةَ؛ لأنَّ الْفُرُوعَ الْجُزْئِيَّةَ إِنْ لَمْ تَقْتَضِ عَمَلًا، فَهِيَ فِي مَحَلِّ التوقُّف، وَإِنِ اقْتَضَتْ عَمَلًا فَالرُّجُوعُ إلى الأُصول هو الصراط المستقيم، وتُتَأوَّلُ الجزئيّات حتى تَرْجِعَ إلى الكلِّيَّات، فَمَنْ عَكْسَ الأَمر حَاوَلَ شَطَطًا، وَدَخَلَ فِي حُكْمِ الذَّمِّ؛ لأَن مُتَّبِعَ المتشابهات مَذْمُومٌ، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِالْمُتَشَابِهَاتِ دَلِيلًا؟ أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ مِنَ الأَحكام؟ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ دَلِيلًا فِي نَفْسِ الأَمر، فَجَعْلُهَا دَلِيلًا بِدْعَةٌ محدثة.
  8. دَعوَى مناقضة الأَحاديث الصَّحِيحَةِ لِلْقُرْآنِ الكريم، أَوْ مُنَاقِضَةُ بَعْضِهَا بَعْضًا، أَو مُخَالَفَتُهَا لِلْعُقُولِ.
  9. تَحْرِيفُ الْأَدِلَّةِ عَنْ مَوَاضِعِهَا؛ بِأَنْ يَرِدَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنَاطٍ، فَيُصْرَفُ عَنْ ذَلِكَ الْمَنَاط إلى أَمر آخَرَ مُوهِمًا أَن الْمَنَاطَيْن وَاحِدٌ، وَهُوَ عنده مِنْ خفيَّات تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، ويضرب الشاطبي لذلك مثلا بأن يقتضي الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ أَمراً فِي الْجُمْلَةِ له تَعَلَّقٌ بِالْعِبَادَاتِ، فيأَتي بِهِ المُكَلَّف فِي الْجُمْلَةِ أَيضاً؛ كَذِكْرِ اللَّهِ، والدعاءِ، وَالنَّوَافِلِ المستحبَّات…. فيكون الدليل عاضداً لعمله مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ مَعْنَاهُ، وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِهِ. فَإِنْ أَتى الْمُكَلَّفُ فِي ذَلِكَ الأَمر بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، أَو زَمَانٍ مخصوص، أَو مكان مخصوص، مُقَارِنًا لِعِبَادِةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْتَزَمَ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَ مُتَخَيَّلًا أَن الْكَيْفِيَّةَ، أَو الزَّمَانَ، أَو الْمَكَانَ مَقْصُودٌ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ أَن يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؛ كَانَ الدَّلِيلُ غير دال على ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ، وصارت من هذه الجهة بنظر الشاطبي بدعاً محدثة؛ لأنه قد خَالَفَ إِطْلَاقَ الدَّلِيلِ أوَّلاً، وَخَالَفَ مَنْ كَانَ أَعرف مِنْهُ بِالشَّرِيعَةِ وَهُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَضِيَ اللَّهُ عنهم ثانيا.
  10. صرف الظَّوَاهِر الشَّرْعِيَّة إلى تأْويلات لَا تُعْقَلُ بدعوى أَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودُ وَالْمُرَادُ، ومن الأمثلة التي ذكرها الشاطبي لهذا المنهج فِي الشَّرْعِيَّاتِ: أَنَّ الْجَنَابَةَ مُبَادَرَةُ الدَّاعِي لِلْمُسْتَجِيبِ بإِفشاءِ سِرٍّ إِليه قَبْلَ أَن يَنَالَ رُتْبَةَ الِاسْتِحْقَاقِ. وَمَعْنَى الْغُسْلِ: تَجْدِيدُ الْعَهْدِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَالِاحْتِلَامُ: أَنْ يَسْبِقَ لِسَانُهُ إلى إفشاءِ السِّرِّ فِي غَيْرِ محلِّه، فعليه الغسل؛ أَي: تجديد المعاهدة، والطهور: هُوَ التَّبَرُّؤُ مِنَ اعْتِقَادِ كُلِّ مَذْهَبٍ سِوَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ. وَالتَّيَمُّمُ: الأَخذ مِنَ المأْذون إلى أَن يَسْعَدَ بِمُشَاهَدَةِ الدَّاعِي وَالْإِمَامِ. وَالصِّيَامُ: هُوَ الإِمساك عَنْ كَشْفِ السِّرِّ…. . إلى أن قال وَلَهُمْ مِنْ هَذَا الإِفك كثير من الأُمور الإِلهية، وأُمور التَّكْلِيفِ، وأُمور الْآخِرَةِ، وَكُلُّهُ حَوْمٌ عَلَى إِبْطَالِ الشَّرِيعَةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، إِذْ هُمْ ثَنَوِيَّةٌ وَدَهْرِيَّة وإباحِيَّة، مُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ وَالشَّرَائِعِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْمَلَائِكَةِ، بَلْ هُمْ مُنْكِرُونَ لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَهُمُ المُسَمَّون بِالْبَاطِنِيَّةِ.
  11. تَعْظِيم الشيوخ حَتَّى أَلحقوهم بمراتب فوقما يَسْتَحِقُّونَها، ويصف الشاطبي هذا بأنه بَاطِلٌ مَحْضٌ، وَبِدْعَةٌ فَاحِشَةٌ؛ ودليله على بدعية هذا القول أنه لَا يُمْكِنُ أَن يَبْلُغَ المتأَخرون أَبداً مَبَالِغَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
  12. ومن منهج أهل البدع عند الشاطبي احتجاج قوم فِي أَخذ الأَعمال بالْمَنَامَاتِ، وهو منهج وصفه الشاطبي بالضعف، فيقولون: رأَينا فلاناً الرجل الصالح في النوم، فَقَالَ لَنَا: اتْرُكُوا كَذَا، وَاعْمَلُوا كَذَا. وَيَتَّفِقُ مثل هذا كثيراً للمُتَرَسِّمين برَسْم التَّصَوُّفِ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: رأَيت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي كَذَا، وأَمرني بِكَذَا؛ فَيَعْمَلُ بِهَا، وَيَتْرُكُ بِهَا، مُعْرِضًا عَنِ الْحُدُودِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، يقول الشاطبي وَهُوَ خَطَأٌ؛ ويعلل حكمه هذا بأن الرُّؤْيَا مِنْ غَيْرِ الأَنبياءِ لَا يُحْكَمُ بِهَا شَرْعًا عَلَى حَالٍ، إِلا بأن تُعرض عَلَى الأَحكام الشَّرْعِيَّةِ، فإِن سَوَّغَتْهَا عُمل بِمُقْتَضَاهَا، وإِلا وَجَبَ تَرْكُهَا والإعراض عنها، ويبين الشاطبي فائدتها حينئذ بأنها بشارة ونذارة خَاصَّةً، وأَما اسْتِفَادَةُ الأَحكام منها فَلَا.
  13. ويختتم الشاطبي حديثه عن منهج أهل البدع عَنْ قَوْمٍ يتسمَّون بالفقراءِ، يَزْعُمُونَ أَنهم سَلَكُوا طَرِيقَ الصُّوفِيَّةِ، فَيَجْتَمِعُونَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، ويأَخذون فِي الذِّكْرِ الجَهْري عَلَى صوتٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ فِي الغناءِ وَالرَّقْصِ إلى آخَرَ اللَّيْلِ، وَيَحْضُرُ مَعَهُمْ بَعْضُ المتسمِّين بِالْفُقَهَاءِ، يَتَرَسَّمُونَ بِرَسْمِ الشُّيُوخِ الْهُدَاةِ إلى سُلُوكِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ: فجزم بأن ذلك مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، الْمُخَالَفَةِ لطَرِيقَة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَرِيقَةَ أَصحابه والتابعين لهم بإِحسان.

وفي ختام هذا المبحث الشيق الذي عقده الشاطبي لبيان مناهج المبتدعة في الاستدلال يخلص إلى القول بأن طُرُقَ أَهل الْبِدَعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَا تَنْضَبِطُ؛ لأَنها سَيَّالة لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ(62).

المبحث الثاني: بين البدعة والمصلحة والمرسلة والاستحسان عند الإمامين: ابن تيمية والشاطبي:

ربما عد بعض الناس الكثير من المصالح الْمُرْسَلَةِ بِدَعًا، لخلوها من قيد الاعتبار، وربما عد آخرون العديد من البدع مصالح لخلوها من قيد الإلغاء، فأشكل هذا الأمر جدا، فما هو رأي الإمامين في هذه المسألة الشائكة؟

المطلب الأول: بين البدعة والمصلحة والمرسلة والاستحسان عند الإمامين:

المسألة الأولى: بين البدعة والمصلحة والمرسلة والاستحسان عند شيخ الإسلام ابن تيمية:

أولا. بين البدعة والمصلحة والمرسلة عند شيخ الإسلام ابن تيمية: الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ عند ابن تيمية أَنْ يَرَى الْمُجْتَهِدُ أن الْفِعْلَ يَجْلِبُ مَنْفَعَةً رَاجِحَةً؛ وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يَنْفِيه(63)، والمصلحة بهذا المفهوم حكى رحمه الله فِيهَا الخِلَاف، فذكر أن من الْفُقَهَاء من يسميها ” الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ ” وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهَا الرَّأْيَ وَبَعْضُهُمْ يُقَرِّبُ إلَيْهَا الِاسْتِحْسَانَ(64).

وابن تيمية رحمه يتوخى الاعتدال في الاحتجاج بالمصالح المرسلة، فيرى أن كَثِيرا مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ استعملوا مَصَالِحَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ (يعني الإرسال في المصالح)، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهَا مَا هُوَ مَحْظُورٌ فِي الشَّرْعِ، وَفي المقابل أَهْمَلَ كثير منهم مَصَالِحَ يَجِبُ اعْتِبَارُهَا شَرْعًا فَفَوَّتَ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ أَوْ وَقَعَ فِي مَحْظُورَاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ، وَحُجَّةُ الْأَوَّلِ عند شيخ الإسلام، (وهو المفْرِط في الاستدلال بالمصالح) أَنَّ هَذِهِ مَصْلَحَةٌ وَالشَّرْعُ لَا يُهْمِلُ الْمَصَالِحَ، وَحُجَّةُ الثَّانِي(وهو المفَرّط): أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ نَصًّا وَلَا قِيَاسًا(65).

وابن تيمية رحمه الله يقرب المصلحة المرسلة مرة من التقديرات العقلية فيقول: وَهِيَ تُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْسَانِ وَالتَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ وَالرَّأْيِ وَنَحْوِ ذَلِكَ(66)، ويحذر منها بقوله: “وهذه الطريقة فيها خطر عظيم والغلط فيها كثير”(67)، ويقربها مرة أخرى من ذَوْق الصُّوفِيَّةِ وَوَجْدهُمْ وَإِلْهَامَاتهم، فيقول: “وَقَرِيبٌ مِنْهَا ذَوْقُ الصُّوفِيَّةِ وَوَجْدُهُمْ وَإِلْهَامَاتُهُمْ”، ولا يخفاك أن هذا المنهج وربما أدى إلى التحلل من الشرع، لذلك يقول رحمه الله: وَالْقَوْلُ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ يُشْرَعُ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ غَالِبًا، ولعل مرد تردده في القول بحجية المصالح المرسلة، ما يلي:

  1. “أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَم تُهْمِلُ مَصْلَحَةً قَطُّ بَلْ إن اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ النِّعْمَةَ فَمَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُ إلى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثَنَا بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَنَا عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلِهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدَهُ إلَّا هَالِكٌ. لَكِنْ مَا اعْتَقَدَهُ الْعَقْلُ مَصْلَحَةً وَإِنْ كَانَ الشَّرْعُ لَمْ يَرِدْ بِهِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ لَهُ إمَّا أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا النَّاظِرُ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْلَحَةِ وَإِنْ اعْتَقَدَهُ مَصْلَحَةً.
  2. كَثِيرًا مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ أَنَّ الشَّيْءَ يَنْفَعُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَيَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَرْجُوحَةٌ بِالْمَضَرَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: {قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}. وَكَثِيرٌ مِمَّا ابْتَدَعَهُ النَّاسُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ مِنْ بِدَعِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ التَّصَوُّفِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الْمُلْكِ حَسِبُوهُ مَنْفَعَةً أَوْ مَصْلَحَةً نَافِعًا وَحَقًّا وَصَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ(68).

ثانيا: بين البدعة والاستحسان عند شيخ الإسلام ابن تيمية:

الاستحسان عند ابن تيمية يقع على معان منها:

  1. طَلَبُ الْحُسْنِ وَالْأَحْسَنُ ، كَالِاسْتِخْرَاجِ.
  2. رُؤْيَةُ الشَّيْءِ حسنًا كَمَا أَنَّ الِاسْتِقْبَاحَ رُؤْيَتُهُ قَبِيحًا.
  3. أن الْحُسْن هُوَ الْمَصْلَحَة، فَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِصْلَاحُ عندهُ متَقَارِبَان، وعلى هذا فلا يبعد موقف ابن تيمية من الاستحسان عن موقفه من المصالح ، ويكون تردده في القول بحجية الاستحسان، كتردده في قبول المصالح المرسلة، ذلك أن كثيرا من التحسينات راجعة عنده إلى الأذواق والأمزجة، فيختلط التحسين الشرعي بالتحسين الذوقي(69).

المسألة الثانية: بين البدعة والمصلحة والمرسلة والاستحسان: عند الشاطبي:

أولا: بين البدعة والمصلحة والمرسلة عند الشاطبي: عقد الشاطبي في كتابه “الاعتصام” بابا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِدَعِ وَالْمَصَالِحِ المرسلة والاستحسان بدأه ببيان البدعة وذلك لأسباب دعته إلى ذلك، هذا حاصلها:

    1. إن كثيراً من الناس عدُّوا أكثر صور الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بِدَعًا، وَنَسَبُوهَا إلى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجَعَلُوهَا حُجَّةً فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ اخْتِرَاعِ الْعِبَادَاتِ.
    2. إنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ قد تشتبه بالبدع من حيث أن كلا منهما يَرْجِعُ إلى اعْتِبَارِ مُنَاسِبِ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، ولكن إِذَا عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ، قال رحمه الله: “وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ اعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ حَقًّا، فَاعْتِبَارُ الْبِدَعِ الْمُسْتَحْسَنَةِ حَقٌّ، لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اعْتِبَارُ الْبِدَعِ حَقًّا، لَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ(70).
    3. إِنَّ الْقَوْلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، بَلْ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْأُصُولِ(71)، ولا يبعد ما قاله في المصالح عما قاله في الاستحسان فَإِنَّهُ رَاجِعٌ هو أيضا إلى الْحُكْمِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ مَزَلَّةَ قَدَمٍ لِأَهْلِ الْبِدَعِ أَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى بِدْعَتِهِمْ من جهته، رأى أن الْحَقّ الْمُتَعَيَّن النَّظَرَ فِي مَنَاطِ الْغَلَطِ الْوَاقِعِ لِهَؤُلَاءِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْبِدَعِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ (72).

ثم قسم رحمه الله الْمَصَالِحَ بحسب المُنَاسِب إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أَنْ يَشْهَدَ الشَّرْعُ بِقَبُولِهِ، فَلَا يرى إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ، كالْقِصَاصِ، وإن عارضته بعض العقول بالإنكار.

القسم الثَّانِي: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِرَدِّهِ فَلَا يرى سَبِيلَ إلى قَبُولِهِ، وإن قبلته بعض العقول.

القسم الثَّالِثُ: مَا سَكَتَتْ عَنْهُ الشَّوَاهِدُ الْخَاصَّةُ، فَلَمْ تَشْهَدْ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا بِإِلْغَائِهِ، فَهَذَا إنْ وجدَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى جِنْسٌ اعْتَبَرَهُ (الشَّارِعُ) فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ، فهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ(73).

وقد ضرب لها الشاطبي عشر أمثلة(74)، نذكرها ملخصة:

    1. جمع القرآن في الْمُصْحَفِ، إذ لا يوجد نَصٌّ عَلَى جَمْعِهِ، بَلْ قَدْ قَالَ أبو بكر كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ…الحديث(75)، وكذلك جَمْعُ عثمان الناس على مصحف واحد وتحريق ما عداه، (76).
    2. اتِّفَاقُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ، فقد اتَّفَقوا عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، وَإِنَّمَا مُسْتَنَدُهُمْ فِيهِ الرُّجُوعُ إلى الْمَصَالِحِ وَالتَّمَسُّكُ بِالِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ.
    3. أنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ قَضَوْا بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، فَلَوْ لَمْ يضمنوا مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلى اسْتِعْمَالِهِمْ لَأَفْضَى ذَلِكَ إلى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَرْكُ الِاسْتِصْنَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى الْخَلْقِ، وَإِمَّا أَنْ يَعْمَلُوا وَلَا يُضَمَّنُوا، فَتَضِيعُ الْأَمْوَالُ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ التَّضْمِينَ.
    4. جوز مَالِكٌ السَّجْنِ فِي التُّهَمِ، وَإِنْ كَانَ السَّجْنُ نَوْعًا مِنَ الْعَذَابِ، وَنَصَّ أَصْحَابُهُ عَلَى جَوَازِ الضَّرْبِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الضَّرْبُ وَالسَّجْنُ بِالتُّهَمِ لَتَعَذَّرَ اسْتِخْلَاصُ الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي السُّرَّاقِ وَالْغُصَّابِ.
    5. لِلْإِمَامِ- إِذَا كَانَ عَدْلًا- أَنْ يُوَظِّفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مَا يَرَاهُ كَافِيًا لِسَدِّ الثُّغُورِ وَحِمَايَةِ الْبلاد، إذا عجز بيت المال عن الإيفاء بذلك، وَوَجْهُ الْمَصْلَحَةِ هَنَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلِ الْإِمَامُ ذَلِكَ لَصَارَتْ دِيَارُنَا عُرْضَةً لِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ.
    6. العقوبة بالتغريم المالي عَلَى بَعْضِ الْجِنَايَاتِ، نحو ما فعل عن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ أَرَاقَ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ بِالْمَاءِ تأديبا لِلْغَاشِّ، وَهَذَا التَّأْدِيبُ لَا نَصَّ يَشْهَدُ له ولكنه مِنْ بَابِ الْحُكْمِ عَلَى الْخَاصَّةِ لِأَجْلِ الْعَامَّةِ، على نحو ما تقدّم فِي مثال تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ.
    7. غلبة الحرام على حياة الناس: فلَوْ غلب الْحَرَامُ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَعْسُرُ الِانْتِقَالُ مِنْهَا إلى أرض غيرها، وَانْسَدَّتْ طُرُقُ الْمَكَاسِب ِالطَّيِّبَة، ومسَّت الْحَاجَةُ إلى الزيادة من تناول الحرام عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جائز، وجائز أيضا الانتقال في التناول من حالة الضَّرُورَةِ إلى حالة الحاجة.
    8. جواز قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ: وَالْمُسْتَنَدُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ؛ إِذْ لَا نَصَّ عَلَى عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه(77)، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ(78) وَالشَّافِعِيِّ(79)، وَوَجْهُ الْمَصْلَحَةِ في هذا أَنَّ الْقَتِيلِ مَعْصُومٌ، وَقَدْ قُتِلَ عَمْدًا، فَإِهْدَارُهُ دَاعٍ اتِّخَاذِ الِاسْتِعَانَةِ وَالِاشِتِرَاكَ ذريعة إلى الْقَتْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا قَصَاصَ فِيهِ.
    9. الاكتفاء بالأمثل في الإمامة إذا انعدم من استجمع الشروط كلها: لِأَنَّا بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ فَوْضًى، وَهُوَ عَيْنُ الْفَسَادِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَدِّمُوهُ فَيَزُولُ الْفَسَادُ، فهَذَا نَظَرٌ مَصْلَحِيٌّ يشهد له وضع أصل الإمامة.
    10. جواز بَيْعَةِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ مُلَائِمٌ لِتَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يُعَضِّدْهُ نَصٌّ عَلَى التَّعْيِينِ.

والخلاصة أن ضابط المصلحة المرسلة عند الشاطبي هو: (80)

  1. الْمُلَاءَمَةُ لِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِحَيْثُ لَا تُنَافِي أَصْلًا مِنْ أُصُولِهِ، وَلَا دَلِيلًا مِنْ أدلته.
  2. أَنَّ يُقصر النَّظَرِ فِي المصالح على ما عُقل معناه، فلا مَدْخَلَ لَهَا فِي التَّعَبُّدَاتِ.
  3. أَن تقصر الْمَصَالِح الْمُرْسَلَةِ على ما يَرْجِعُ إلى حِفْظِ أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ، وَرَفْعِ حَرَجٍ لَازِمٍ فِي الدِّينِ.

يخلص الشاطبي من وضع هذه الضوابط إلى أَنَّ الْبِدَعَ مُضَادَّةِ لِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وذلك للأسباب الآتية:

    1. لأن مَوْضُوعَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مَا عُقِلَ مَعْنَاهُ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَالتَّعَبُّدَاتُ مِنْ حَقِيقَتِهَا أَنْ لَا يُعْقَلَ مَعْنَاهَا إلا إجمالا.
    2. لأن الْبِدَعَ فِي عَامَّةِ أَحوالها لَا تُلَائِمُ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ، بَلْ هي مُنَاقِضَة لِمَقْصُودِهِ صراحة، أو ضمنا.
    3. لأن الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ مرجعها إلى التَّخْفِيفِ، ومعظم الْبِدَعَ زِيَادَةٌ فِي التَّكْلِيفِ، فهي مُضَادَّةٌ لِمقصد التَّخْفِيفِ(81)، لهذه الأسباب يرى الشاطبي أَنْ لَا حجة لِلْمُبْتَدِعِ بِبَابِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ.

ثانيا: بين البدعة والاستحسان عند الشاطبي: استحسن لغة الشيءَ: إِذا عَدَّه حَسَناً(82)، وهذا لا يَكُونُ إِلَّا من مستحسِن، وَهُوَ إِمَّا الْعَقْلُ وإما الشَّرْعُ: أَمَّا الشَّرْعُ فَاسْتِحْسَانُهُ وَاسْتِقْبَاحُهُ لا جدال فيه، لِأَنَّه يرجع إلى الْأَدِلَّةَ، ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْلُ، فَإِنْ كَانَ استحسانه بِدَلِيلٍ فمرجعه إلى الْأَدِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَذَلِكَ هُوَ البدعة، إلا أن يكون مِنْ جِنْسِ مَا يُسْتَحْسَنُ فِي الْعَوَائِدِ، وَتَمِيلُ إِلَيْهِ الطِّبَاعُ؛ فَيَجُوزُ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَاهُ إِذَا لَمْ يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ ما ينافيه وعلى هذا يَنْقَسِمَ الاستحسان بنظر الشاطبي إلى مقبول ومذموم، فما كان من جنس التعبدات ولا دليل عليه فهو المذموم، وما كان من جنس العوائد ولا دليل من الشرع على بطلانه فهو المقبول. (83).

أما الاستحسان في مصطلح الأصوليين فقد عرفه البعض بأنه العدول عن مقتضى قياس جلي إلى قياس خفي لدَلِيل يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ لَا تُسَاعِدُهُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ)(84)، وهذا التعريف للاستحسان قد ينزلق ببعض الناس إلى البدعة؛ لِأَنَّهُ قلّ من يَبْتَدِعَ من غير شبهة دليل تنقدح لَهُ، بَلْ عَامَّةُ الْبِدَعِ لَا بُدَّ لِصَاحِبِهَا مِنْ مُتَعَلِّق شَرْعِيٍّ، فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مَزَلَّةُ قَدَمٍ، فإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدّ مِنْ بيان وتوضيح حَتَّى لَا يَغْتَرَّ بِهِ جَاهِلٌ أَوْ ولا يلعب به عابث، فَنَقُولُ وبالله التوفيق: إِنَّ الِاسْتِحْسَانَ ليس دليلا على الحقيقة، بل هو منهج استدلالي يقوم على الترجيح بين الأدلة، فقد عرفه بعضهم بأنه: (العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه)، وقيل هو: (تخصيص قياس بدليل أقوى منه)(85)، وقيل هو: (أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول)(86). وعلى هذا فإن الخروج بمسألةٍ ما عن نظائرها لدليل لا إشكال فيه، ومتفق على قبوله، لكن قد ينازع البعض في إفراده بأصلٍ مستقل، وأمَّا إذا كان لغير دليل بل لمجرد أن يَسْتَحْسِنُهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ، أَوْ لدَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِه تَعَسُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ، فهذا تحكّم وهوى، ولا يبعد بهذا التكييف عن البدع.

والاستحسان له صور عديدة، بحسب ما لأجله تُرك الدليل، والدليل قد يكون قياسا فيترك لقياس أقوى منه مثل أن يوجد في المسألة وصفان يقتضي كل وصف قياساً مبايناً للقياس الذي اقتضاه الوصف الآخر، وأحدهما علته ظاهرة إلا أن أثره ضعيف، والثاني علته خفيّة إلا أنه قوي الأثر، فيرجّح المجتهد ما كان أثره قوياً دون النظر إلى ظهور العلة وخفائها، مثاله عند الأحناف سؤر سباع البهائم مع سؤر سباع الطير؛ فسباع الطير أشبهت سباع البهائم في حرمة الأكل عندهم، والقياس الظاهر أن تلحق بها نجاسة سؤرها، إلا أن هذا الظهور يواجهه ضعفا في الأثر؛ لأن سؤر سباع البهائم إنما يتنجس لاختلاطه بلعابها، وليس كذلك سؤر الطير التي تأخذ الماء بمنقارها، والمنقار عظم طاهر، ولا شك أن هذا الأثر أقوى من الأثر الأول؛ لأنه يتعلق بالوصف الذي ينعقد به القياس، وهو وجود النجاسة، فترجح وإن كان أخفى منه (87).

ومن صور الاستحسان ترك القياس للأثر، مثل السلم والإجارة، فإن القياس يأبى جواز السلم؛ لأن محل العقد معدوم حقيقة عند العقد، والعقد لا ينعقد في غير محله، إلا أن القياس هنا تُرك للأثر الموجب للترخيص وهو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)(88)، وكذا القياس يأبى جواز الإجارة؛ لأن المعقود عليه ـ وهو المنفعة ـ معدوم في الحال، إلا أنه تُرك للأثر وهو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطيه أجره)(89). فالتوعّد على عدم إعطاء الأجير أجره دليل على صحة العقد.

ومن صور الاستحسان ترك القياس للإجماع، مثل الاستصناع، فإن القياس يقتضي عدم جوازه؛ لأنه بيع معدوم، ولا يجوز بيع شيء إلا بعد تعيّنه، إلا أن القياس ترك هذا القياس للإجماع الثابت بتعامل الأمة من غير نكير.

ومن صور الاستحسان ترك القياس للضرورة: ويمُثّل له بتطهير الحياض والآبار، فإن القياس ينفي طهارة هذه الأشياء بعد تنجّسها، لأنه لا يمكن صب الماء على الحوض أو البئر ليتطهر، لأن الماء الداخل في الحوض، أو الذي ينبع من البئر يتنجّس بملاقاة النجاسة، والدّلو تتنجس أيضاً بملاقاة الماء، فلا تزال تعود وهي نجسة، إلا أنهم استحسنوا ترك العمل بالقياس للضرورة الموجبة إلى ذلك لعامة الناس، وللضرورة أثر في سقوط الخطاب(90).

ومن صور الاستحسان ترك الدليل للعرف، كرد الأيْمان إلى العرف.

ومن صوره ترك الدليل للمصلحة، كتضمين الأجير المشترك.

ومن صوره ترك الدليل لرفع المشقة وإيثار التوسعة عل الخلق، كإجازة التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة، وإجازة بيع وصرف في اليسير(91).

وعلى هذا فإن الاستحسان إما أن يكون من باب الترجيح والعمل بأقوى الدليلين، مثل ترجيح السنة أو الإجماع، أو المصلحة المرسلة على القياس، أو من باب إعمال القاعدة الكلية، أو من باب تخصيص العموم بالمصلحة…فإذا كان هذا معناه فليس بخارج عن الأدلة، لأن الأدلة يقيّد بعضها بعضاً، ويخصص بعضها بعضا، وأين من هذا البدع التي لا دليل عليها.

المبحث الثالث: مراتب البدع وبعض الأحكام المتعلقة بها عند الإمامين.

المطلب الأول: مراتب البدع وبعض الأحكام المتعلقة بها عند ابن تيمية

    1. تفاوت البدع عند ابن تيمية: وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ البدع على وجه واحد، وَنِسْبَةٍ واحدة، وهي الضَّلَالَةِ فِي قَوْلِهِ – صلى الله عليه وسلم-: “إِياكم وَمُحْدَثَاتِ الأُمور؛ فإِن كل محدثة بدعة، وكل بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، ولكن يقول: النووي- رحمه الله- وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصٌ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُحْدَثَاتُ الْبَاطِلَةُ وَالْبِدَعُ الْمَذْمُومَةُ(92).

وعلى هذا فالبدع ليست في رتبة واحدة، ولا على نسبة واحدة، يقول شيخ الإسلام: (وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُنْتَسِبَةَ إلى مَتْبُوعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلَامِ: عَلَى دَرَجَاتٍ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُصُولٍ عَظِيمَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إنَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ دَقِيقَةٍ(93).

    1. نسبية حكم البدع عند ابن تيمية: يقول رحمه الله: “فإن البدعة لو كانت باطلا محضاً لظهرت وبانت، وما قُبلت، ولو كانت حقا محضا، لا شوب فيه، لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقاً محضاً لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل علي حق وباطل”(94)
    2. انقسام البدع إلى حسنة وغير حسنة عند ابن تيمية: يقول رحمه: (ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان. ) (95).

فقد رد الأمر إلى الدليل، وإذا قام الدليل امتنع أن تسمى بدعة أصلا، لأن البدعة عنده ما لا أصل له من الشرع كما تقدم. .

    1. انقسام البدعة إلى قولية واعتقادية عند ابن تيمية: البدعة عند ابن تيمية نوعان: (نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات)، وهذا ما نص عليه صراحة بقوله: “وَالْبِدَعُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ فِي الْأَقْوَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، وَنَوْعٌ فِي الْأَفْعَالِ وَالْعِبَادَاتِ، وَهَذَا الثَّانِي يَتَضَمَّنُ الْأَوَّلَ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ يَدْعُو إلى الثَّانِي(96).

ثم يجعل النوع الأول شأن طوائف من أهل العلم، والثاني شأن طوائف من أهل العبادة، قال رحمه الله: “فَالْمُنْتَسِبُونَ إلى الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ يُخَافُ عَلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَعْتَصِمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَالْمُنْتَسِبُونَ إلى الْعِبَادَةِ وَالنَّظَرِ وَالْإِرَادَةِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ يُخَافُ عَلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَعْتَصِمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي”.

ثم يرد نوعي البدعتين إلى التشبه باليهود والنصارى حيث يقول: “أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6- 7]، …. مَنْ فَسَدَ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ الْعُبَّادِ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى(97).

    1. حكم المبتدعة عند ابن تيمية: وابن تيمية إذ يحكم ببدعيّة بعض الفرق لا يكفّرهم، يقول رحمه الله: والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم) (98).

‏ويرى رحمه الله أن أهل البدع ليسوا على درجة واحدة من الابتداع، حيث يقول: “وَمِمَّا يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُنْتَسِبَةَ إلى مَتْبُوعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلَامِ: عَلَى دَرَجَاتٍ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُصُولٍ عَظِيمَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إنَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ دَقِيقَةٍ(99).

    1. تحذير ابن تيمية من البدع: وقد حذر شيخ الإسلام من البدع، وبين أنها شر من المعصيــة، قال رحمه الله: وَالْبِدْعَةُ شَرٌّ مِنْ الْمَعْصِيَةِ كَمَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْبِدْعَةُ أَحَبُّ إلى إبْلِيسَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ يُتَابُ مِنْهَا وَالْبِدْعَةَ لَا يُتَابُ مِنْهَا(100)، ثم بين رحمه الله وجه فسادها من وجهين:

الأول: أن البدع مفسدة للقلوب، فهي أشبه ما تكون بالطعام الخبيث، وفي هذا المعنى يقول: (الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث(101).

الثاني: أن البدع تقود أصحابها إلى الاعتقادات الباطلة والأعمال الفاسدة المخرجة من الشريعة، وفي هذا المعنى يقول: رحمه الله: فَإِنَّ الْبِدَعَ هِيَ: (مَبَادِئُ الْكُفْرِ وَمَظَانُّ الْكُفْرِ) (102)

المطلب الثاني: مراتب البدع وبعض الأحكام المتعلقة بها عند الشاطبي:

عرض للشاطبي- رحمه الله إشكال في تفاوت البدع، وقد ضعّف انقسام البدع بحسب الأحكام الخمسة، فلا يُتصور عنده بدعة واجبة ولا مندوبة ولا مباحة يقول رحمه الله: (ثَبَتَ في الأُصول أَن الأَحكام الشرعية خمسة، يخرج عَنْهَا الثَّلَاثَةُ (103)، فَيَبْقَى حُكْمُ الْكَرَاهِيَةِ وَحُكْمُ التَّحْرِيمِ(104).

إلا أنه أورد على نفسه اعتراضا خلاصته أن حكمه صلى الله عليه على ضلالة كل البدع يقتضي أنها على حكم واحد، ثم شرع- رحمه الله- في الجواب على ذلك من ثلاثة أوجه: (105)

الوجه الأول: أن النَّظَر يقتضي انْقِسَامَ الْبِدَعِ إلى مُحَرَّمَةٌ، ومَكْرُوهَةٌ، لدخولها تحت جنس المنهيَّات.

الوجه الثاني: أَن البدع رتبها مُتَفَاوِتَةً. فَمِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ؛ كَبِدع الْجَاهِلِيَّةِ (106)، وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنَ الْمَعَاصِي المتفق على أنها لَيْسَتْ بِكُفْرٍ، كَبِدْعَةِ التَّبَتُّل، وَالصِّيَامِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، والخِصَاءِ، أَو مختلف في نسبتها إلى الكفر، كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَمَنْ أَشبههم مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي إِتباع رَمَضَانَ بسِتٍّ مِنْ شَوَّالَ، وَالِاجْتِمَاعِ للدعاءِ في أوقات مخصوصة، وَمَا أَشبه ذَلِكَ.

الوجه الثالث: وفيه يردّ البدع إلى النظر المقاصدي ويناظرها بالمعاصي التي مِنْهَا صَغَائِرُ، وَمِنْهَا كَبَائِرُ، وذلك بحسب ما تقع فيه من رتب الضَّرُورِيَّاتِ، أَوِ الْحَاجِيَّاتِ، أَو التَّكْمِيلِيَّاتِ ، بحيث إذا وقعت فِي الضَّرُورِيَّاتِ فهي أَعظم الكبائر، وإِن وقعت في التحسينّيات فَهِيَ أَدنى من ذلك، وإِن وَقَعَتْ في الحاجيّات فمتوسطة بين الرتبتين.

ولا يرى الشاطبي البدع إلا ضلالة ، وهي وإن تفاوتت في الذم فَوَصْفُ الضَّلَالَةِ شاملٌ لأَنواعها، متمسكا في ذلك بظاهر عموم الحديث: (وكل بدعة ضلالة) (107)، لَكِنْ أورد على نفسه إشكالا خلاصته أَنَّ الْهُدَى وَالضَّلَالِ ضِدَّان، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ تُعْتَبَرُ فِي الشَّرْعِ وشمول الضَّلَالَةَ للبدع المَكْرُوهَةَ يقتضي أن يعد فاعل المكروه عاصيا، وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إِذْ لَا يُعد فاعل المكروه عاصيا، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ فَاعِلُ الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ ضَالًّا(108)، ويجيب بتمسكه بثبوت لَفْظِ الضَّلَالَةِ لِكُلِّ بِدْعَةٍ كما بسط، ولكن يرفض ما أَلْزَمه به المخالف من كون المكروه معصية وفاعل المكروه ضال خارج عن الهدى، وذلك من وجوه:

أَوَّلاً: يرى أن الأَفعال لا تُجرى عَلَى الضِّدِّية إِلا بَعْدَ استقراءِ الشَّرْعِ، وهو قد استقرأ موارد الأَحكام الشرعية؛ ووجد بين الطاعة وَالْمَعْصِيَةِ وَاسِطَةً؛ وهي المباح، فهو ليس بطاعة ولا معصية من حيث هو مباح(109)؛وإِذا ثَبَتَ وجود واسطة بين الطاعة والمعصية صح أَن يدخل تحتها المكروه؛ فلا يطلق عليه لفظ المعصية، بخلاف الهدى والضلال؛ فإنه لا واسطة بينهما في الشرع يصح أن ينسب إِليها لفظ الْمَكْرُوهُ مِنَ الْبِدَعِ، فليس إِلا حق، وهو الهدى، أَو الضلال، وهو الباطل(110)، ويخلص بهذا إلى أن البدع المكروهة ضلال، بخلاف فعل المكروه ليس بضلال.

ثَانِيًا: يرى التروي في إِثبات قَسْمِ الْكَرَاهَةِ فِي الْبِدَعِ ويحذر من الاغترار بإِطلاق الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الفقهاءِ لَفْظُ الْمَكْرُوهِ عَلَى بَعْضِ الْبِدَعِ، ويرى أن حَقِيقَة الْمَسْأَلَةِ أَن الْبِدَعَ لَيْسَتْ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الذَّمِّ، وأَما تَعْيِينُ الْكَرَاهَةِ فلَا يرى عليه دَلِيلٌ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ كَلَامِ الأَئمة، بل ثبت أن في الشَّرْعُ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ ويستدل بحديث الثلاثة الذين قال أحدهم أَما أَنا فأَقوم اللَّيْلَ وَلَا أَنام، وَقَالَ الْآخَرُ: أَما أَنا فَلَا أَنكح النساءَ…، إلى آخِرِ مَا قَالُوا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: “مَنْ رَغِبَ عَنْ سنتي فليس مني”(111)، قال رحمه الله: وهذه العبارة من أَشد شيءٍ فِي الإِنكار، وَلَمْ يَكُنْ مَا الْتَزَمُوا إِلا فِعْلَ مَنْدُوبٍ أَو تَرْكَ مَنْدُوبٍ إلى فِعْلِ مَنْدُوبٍ آخَرَ…

قال وَيُعَضِّدُ هَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ كما مَا فِي الْبُخَارِيِّ، عن قيس بن أَبي حَازِمٍ قَالَ: دَخَلَ أَبو بَكْرٍ عَلَى امرأَةٍ من قيسٍ يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: مالها لا تتكلم ؟ قالوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً ، قَالَ لَهَا: تكلَّمي؛ فإِن هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فتكلَّمت…، الحديث إلى آخره(112).

واستدل بمَا رَوَى الزبير بن بكار عن مالك أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: فأي فتنة في هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن تري أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إني سمعت الله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] (113).

قال الشاطبي: فأَنت تَرَى أَنه خَشِيَ عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ فِي الإِحرام مِنْ مَوْضِعٍ فَاضِلٍ لَا بُقْعَةَ أَشرف منه وَهُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ، لَكِنَّهُ أَبعدُ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَهُوَ زيادةٌ فِي التَّعَبِ قَصْدًا لِرِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَبَيَّنَ أَن مَا اسْتَسْهَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الأَمر اليسير في بادي الرأْي يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهِ الْفِتْنَةَ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ. فَكُلُّ مَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ دَاخِلٌ ـ عِنْدَ مَالِكٍ ـ فِي مَعْنَى الْآيَةِ؛ فأَين كَرَاهِيَةُ التَّنْزِيهِ فِي هَذِهِ الأُمور الَّتِي يَظْهَرُ بأَول النَّظَرِ أَنها سَهْلَةٌ وَيَسِيرَةٌ؟ إلى أن قال رحمه الله: وَالشَّوَاهِدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَن الهيِّن عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْبِدَعِ شديدٌ وَلَيْسَ بهيِّن، واستدل بقوله تعالى /{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}، قال: وأَما كَلَامُ الْعُلَمَاءِ: فإِنهم وإِن أَطلقوا الْكَرَاهِيَةَ فِي الأُمور الْمَنْهِيِّ عَنْهَا؛ لَا يَعْنُونَ بِهَا كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وإِنما هَذَا اصْطِلَاحٌ للمتأَخرين حين أَرادوا أَن يفرِّقوا بين القَبِيلَيْن، فَيُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، ويخصّون كراهية التحريم بلفظ التحريم، أو المنع، وأَشباه ذلك، وأَما المتقدمون من السلف: فإِنه لَمْ يَكُنْ مِنْ شأْنهم فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ صَرِيحًا أَن يَقُولُوا: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، وَيَتَحَامَوْنَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ خَوْفًا مِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}، وحَكى مَالِكٌ عمَّن تقدَّمه هَذَا الْمَعْنَى، فإِذا وُجِدَتْ فِي كَلَامِهِمْ فِي الْبِدْعَةِ أَو غَيْرِهَا “أَكره هَذَا”، و “لَا أُحِبُّ هَذَا”، و “هَذَا مَكْرُوهٌ”…وَمَا أَشبه ذَلِكَ، فَلَا تَقْطَعَنَّ عَلَى أَنهم يُرِيدُونَ التَّنْزِيهَ فَقَطْ فإِنه إِذا دَلَّ الدَّلِيلُ فِي جَمِيعِ الْبِدَعِ عَلَى أَنها ضَلَالَةٌ فَمِنْ أَين يُعَدُّ فِيهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ؟ اللَّهُمَّ إِلا أَن يُطْلِقُوا لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى مَا يَكُونُ لَهُ أَصل فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنْ يُعَارِضُهُ أَمر آخَرُ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ فَيُكْرَهُ لأَجله، لَا لأَنه بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ(114).

ثَالِثًا: قال: إِنا إِذا تأَملنا حَقِيقَةَ الْبِدْعَةِ- دَقَّتْ أَوجَلَّت- وَجَدْنَاهَا مُخَالِفَةً لِلْمَكْرُوهِ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ الْمُخَالَفَةَ التَّامَّةَ، ثم شرع بين ذَلِكَ مِنْ وجهين:

الوجه الأول. أَن مُرْتَكِبَ الْمَكْرُوهِ إِنما قَصْدُهُ نَيْلُ غَرَضِهِ وَشَهْوَتِهِ الْعَاجِلَةِ متَّكلاً عَلَى الْعَفْوِ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ، فَهُوَ إلى الطَّمَعِ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ أَقرب.

الوجه الثاني: مرتكب المكروه يَعْتَقِدُ أَن التُّرْكَ أَولى في حقه من الفعل، وأَن نَفْسَهُ الأَمّارة زَيَّنت لَهُ الدُّخُولَ فِيهِ، فَلَا يَزَالُ منكسرَ الْقَلْبِ؛ وَمُرْتَكِبُ أَدنى الْبِدَعِ يَكَادُ يَكُونُ عَلَى ضِدِّ هَذِهِ الأَحوال، فإِنه يَعُدُّ مَا دَخَلَ فِيهِ حسناً، بل يراه أَولى مما حدَّ له الشارع(115). .

تفاوت البدع بنظر الشاطبي: كما أَن المحَرَّم يَنْقَسِمُ فِي الشَّرْعِ إلى مَا هُوَ صَغِيرَةٌ، وإِلى مَا هُوَ كَبِيرَةٌ ـ، فَكَذَلِكَ يرى الشاطبي أن الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ تَنْقَسِمُ إلى الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ اعْتِبَارًا بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِهَا، ويرى أن أَقرب وَجْهٍ يُلْتَمَسُ لِهَذَا الْمَطْلَبِ أَن الْكَبَائِرَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الإِخلال بِالضَّرُورِيَّاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُلِّ مِلَّة، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْعَقْلُ، وَالْمَالُ، كَذَلِكَ يقول فِي كَبَائِرَ الْبِدَعَ: مَا أَخَلَّ مِنْهَا بأَصل مِنْ هَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ فَهُوَ كبيرة، وما لا، فهي صَغِيرَةٌ(116).

ثم يورد على نفسه إشكالا فِي إِثبات الصَّغَائِرِ فِي البدع يصفه بالعَظِيم، ويرى أنه يَعْسُر التخلّص منه، ملخصه أَن جَمِيعَ الْبِدَعِ رَاجِعَةٌ إلى الإِخلال بِالدِّينِ، إِما أَصلاً، وإِما فَرْعًا، وإِذا كَانَتْ كذلك فَهِيَ إِذاً إِخلال بَأَوّل الضَّرُورِيَّاتِ، وَهُوَ الدِّينُ، وهي وإِن تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُهَا فِي الإِخلال بِالدِّينِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بمُخْرِجٍ لَهَا عَنْ أَن تَكُونَ كبيرة، هذا هو الإشكال الذي أورده ثم شرع في الإجابة عنه(117)، وملخص ما قاله أن النظر النافي لوجود صغائر في البدع معارض نظر آخر يثبت العكس، وبيانه من أوجه:

أَحدها: أن الإِخلال بِضَرُورَةِ النَّفْسِ كَبِيرَةٌ بِلَا إِشكال، وَلَكِنَّهَا عَلَى مَرَاتِبَ، أَدناها لَا يُسَمَّى كَبِيرَةً، فَالْقَتْلُ كَبِيرَةٌ، وَقَطْعُ الأَعضاءِ مِنْ غَيْرِ إِجهاز كبيرة دونها، وقطع عُضْوٍ واحد فقط كَبِيرَةٌ دُونَهَا، وهَلُمّ جَرَّا إلى أَن تَنْتَهِيَ إلى اللَّطْمَةِ، ثُمَّ إلى أَقل خَدْشٍ يُتَصَوَّرُ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِي مَثَلِهِ كَبِيرَةٌ.

وَالثَّانِي: أَن الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ إلى قسمين:

    1. ما يخل بكلي شرعي، كَبِدْعَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّينَ، وَبِدْعَةِ إِنكار السنة اقْتِصَارًا عَلَى الْقُرْآنِ، وَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي لَا تَخُصُّ فَرْعًا مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ دُونَ فَرْعٍ.
    2. ما يخل بجزئي لَا تَتَعَدَّى فِيهِ الْبِدْعَةُ مَحَلَّهَا، وَلَا تَنْتَظِمُ تَحْتَهَا غيرَها، كَبِدْعَةِ الأَذان والإِقامة في الْعِيدَيْنِ، وَبِدْعَةِ الِاعْتِمَادِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ.

فَالْقِسْمُ الأَول عده رحمه الله مِنَ الْكَبَائِرِ، والقسم الثاني، رآه مِنْ قَبِيلِ اللَّمَم الْمَرْجُوِّ فِيهِ الْعَفْوُ.

الوجه الثَّالِثُ: أَن الْمَعَاصِيَ قَدْ ثَبَتَ انْقِسَامُهَا إلى صَّغَائِرِ وَكَبَائِرِ، وَلَا شَكَّ أَن الْبِدَعَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي وَنَوْعٌ مِنْ أَنواعها، فَاقْتَضَى إِطلاق التَّقْسِيمِ أَنَّ الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ أَيضاً، وَلَا تُخَصُّ؛ لأَن ذَلِكَ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّص(118).

يناقض هذا ما ذكره آنفا من فرقين بين البدع والمعاصي خلاصته:

    1. أَن مُرْتَكِبَ الْمَكْرُوهِ متَّكلاً عَلَى الْعَفْوِ، فَهُوَ إلى الطَّمَعِ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ أَقرب، وأَنه يَعْتَقِدُ الْمَكْرُوهَ مَكْرُوهًا كَمَا يَعْتَقِدُ الْحَرَامَ حَرَامًا وإِن ارْتَكَبَهُ، وإِذا تَذَكَّرَ انكسرَ قلبه…إلى أن قال:…فأَين مع هذا خَوْفُهُ أَو رَجَاؤُهُ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَن طَرِيقَهُ أَهدى سَبِيلًا، وَنِحْلَتَهُ أَولى بِالِاتِّبَاعِ؟، وهذا ما انتبه إليه الشاطبي فذكره في شكل اعتراض محتمل من المخالف، مفاده أن يقول المعترض بأن البدع مُضَادَّةٌ لِلشَّارِعِ وَمُرَاغَمَةٌ لَهُ حَيْثُ نَصَّبَ الْمُبْتَدِعُ نَفْسَهُ مستدركا عَلَى الشَّرِيعَةِ، لَا مكتفيا بِمَا حُدَّ لَهُ، فلا فرق حينئذ بَيْنَ بِدْعَةٍ جُزْئِيَّةٍ، وَبِدَعَةٍ كُلِّيَّةٍ، ويجيب الشاطبي عن هذا الاعتراض بالتسليم بأن كل بدعةٍ كبيرةٌ بالإِضافة إلى مُجَاوَزَةِ حُدُودِ اللَّهِ بِالتَّشْرِيعِ، إِلا أَنها وإِن عَظُمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فإِذا نُسِبَ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ تَفَاوَتَتْ رُتَبُها، فَيَكُونُ مِنْهَا صِغَارٌ وَكِبَارٌ، إِما بِاعْتِبَارِ أَن بَعْضَهَا أَشد عِقَابًا مِنْ بَعْضٍ، وإِما بِاعْتِبَارِ فَوْتِ الْمَطْلُوبِ فِي الْمَفْسَدَةِ، فَكَمَا انْقَسَمَتِ الطَّاعَةُ إلى الْفَاضِلِ والأَفضل، لِانْقِسَامِ مَصَالِحِهَا إلى الْكَامِلِ والأَكمل، انْقَسَمَتِ الْبِدَعُ لِانْقِسَامِ مَفَاسِدِهَا إلى الرَّذِلِ والأَرْذَلِ، والصِّغَرِ والكِبَرِ، مِنْ بَابِ النِّسَبِ والإِضافات(119).

فخلاصة القول عند الشاطبي أن البدع كلها كبائر بالنظر إلى سائر المعاصي، فإذا أضيف بعضها إلى بعض صار بعضها أشنع من بعض، وصار الشنيع بالنظر إلى الأشنع كأنه صغيرة.

انقسام الْبِدَعَ عند الشاطبي إلى كُلِّيَّةٌ وجُزئيَّة:

البدع عند الشاطبي منها ما هو كلي لَا يَنْحَصِرُ في فرع من فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، ومنها ما هو جزئي واقع فِي الْفُرُوعِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ دُخُولُ هَذَا الضَّرْبِ الثاني مِنَ الْبِدَعِ تحت الوعيد بالنار وإِن دخل تحت وَصْفِ الضَّلال: كَمَا لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي سَرِقَةِ لُقَيْمَةٍ، أَو التَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ، وإِن كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ وَصْفِ السَّرِقَةِ، فَعَلَى هَذَا: إِذا اجْتَمَعَ فِي الْبِدْعَةِ وَصْفَانِ: كَوْنُهَا جُزْئِيَّةً، وَكَوْنُهَا بالتأْويل؛ صَحَّ عند الشاطبي أَن تَكُونَ صَغِيرَةً، مِثَالُهُ: مسأَلة مَنْ نَذَرَ أَن يصوم قائماً لا يجلس، وضاحياً لا يَسْتَظِلُّ، وَمَنْ حرَّم عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحل اللَّهُ؛ مِنَ النَّوْمِ، أَو لَذِيذِ الطَّعَامِ، أَو النِّسَاءِ، أَو الأَكل بِالنَّهَارِ، وَمَا أَشبه ذلك، غَيْرَ أَن الْكُلِّيَّةَ وَالْجُزْئِيَّةَ عند الشاطبي قَدْ تَكُونُ ظَاهِرَةً، وَقَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، كَمَا أَن التأْويل قَدْ يُقَرِّبُ مأْخذه وَقَدْ يُبَعِّدُ، فَيَقَعُ الإِشكال فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْثِلَةِ، ويرى الشاطبي أن يُوكَلُ النَّظَرُ فيه إلى الاجتهاد(120).

شروط انقسام البدعة إلى صغيرة وكبيرة عند الشاطبي: انتهى الشاطبي إلى أن البدع منها صغائر ومنها كبائر، ولكن لا تنقسم عنده هذا الانقسام إلا بشروط(121):

أَحَدُهَا: أَن لَا يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، فإِن الصَّغِيرَةَ مِنَ الْمَعَاصِي تَكْبُرُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا؛ لِذَلِكَ قَالُوا: “لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصرار، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ” (122)، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، إِلا أَن الْمَعَاصِيَ مِنْ شأْنها فِي الْوَاقِعِ أَنها قَدْ يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَقَدْ لَا يُصِرُّ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ فإِن شأْنها في الواقع المداومة عليها، وساق لذلك أدلة من الاعتبار والنقل.

وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَن لَا يَدْعُوَ المبتدع إلى بدعته، فإِن الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ صَغِيرَةً بالإِضافة، ثُمَّ يَدْعُو مبتدعها إلى القول بها، والعمل بمقتضاها، فَيَكُونُ إِثم ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَيْه.

وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَن لَا تُفْعَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُجْتَمَعَاتُ النَّاسِ، أَو الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، وَتُظْهَرُ فِيهَا أَعلام الشَّرِيعَةِ؛ فأَما إِظهارها فِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ، أَو ممن يُحَسَّن بِهِ الظَّنَّ؛ فَذَلِكَ مِنْ أَضرّ الأَشياءِ على سنة الإِسلام.

وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَن لَا يَسْتَصْغِرَهَا وَلَا يَسْتَحْقِرُهَا، وإِن فَرَضْنَاهَا صَغِيرَةً، فإِن ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِهَا، وَالِاسْتِهَانَةُ بِالذَّنْبِ أَعظم مِنَ الذَّنْبِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعِظَمِ مَا هُوَ صَغِيرٌ.

فإِذا تَحَصَّلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ؛ فإِذْ ذَاكَ يُرْجَى أَن تَكُونَ صغيرُتها صَغِيرَةً، فإِن تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا أَو أَكثر؛ صَارَتْ كَبِيرَةً، أَو خِيفَ أَن تَصِيرَ كَبِيرَةً.

أقول: وهي كلها شروط تعجيزية وإليك بيان ذلك:

  • أما الشرط الأول: فهو شرط تعجيزي بتصريح الشاطبي نفسه حيث اشترط في البدعة لتكون صغيرة أَن لَا يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، ثم قرر أن الْبِدْعَةِ من شأْنها في الواقع المداومة عليها.
  • أما الشرط الثاني: فهو أَن لَا يَدْعُوَ المبتدع إلى بدعته، أقول كيف لا يدعو إليها مع اعتقاده صحتها، كما صرح هو بذلك،
  • ومثله الشرط الثالث وهو: أَن لَا تُفْعَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُجْتَمَعَاتُ النَّاسِ، فهل يعتقد المبتدع أنه على ظلالة ليتحاشى مجتمعات الناس؟
  • وأما الشرط الرابع وهو أَن لَا يَسْتَصْغِرَهَا وَلَا يَسْتَحْقِرُهَا فلا معنى لهذا الشرط، إذ لا يرى أنه مذنب أصلا حتى يستصغر أو يستعظم؟

هل الابتداع بنظر الشاطبي يدخل فِي الأُمور العادية أَم يختص بالأُمور الْعِبَادِيَّةِ؟: لا يرى الشاطبي إشكالا في دخول الابتداع في الأمور العبادية، وَأما الْعَادِيَّةُ فيرى أن النظر يقتضي وُقُوع الْخِلَافِ فِيهَا وعليه مال قوم إلى شمول البدع للعادات كما العبادات، ومال آخرون إلى اختصاص البدع بالعبادات، ثم شرع في عرض أدلة الفريقين(123)

استدل من يرى شمول البدع للعادات بالآتي:

    1. أنها مِنَ الأُمور الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي الزَّمَنِ الْفَاضِلِ، وَالسَّلَفِ الصالح.
    2. لا فرق في وقوع الابتداع بين العبادات والْعَادَاتِ؛ فَكِلَاهُمَا مَشْرُوعٌ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ.
    3. أَن الشَّرْعَ أخبر عن أشياء ليست من العبادات تَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَارِجَةً عَنْ سُنَّتِهِ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنكم سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وأُموراً تُنْكِرُونَهَا”، قَالُوا: فَمَا تأْمرنا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “أَدّوا إِليهم حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حقَّكم”(124).

قال: وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أَنه مُخْتَصٌّ بالعبادات لا يُسَلِّمون جميع ما ذكره الأَوّلون ويرون أنها معاصٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَمُخَالَفَاتٌ لِلْمَشْرُوعِ، كالمُكُوس، وَالْمَظَالِمِ، وَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى العلماءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمُبَاحُ مِنْهَا كَالْمَنَاخِلِ فإِنما إِباحته بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَلَا ابْتِدَاعَ فِيهِ، وإِن فُرِضَ مكروهاً فَوَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ كَوْنُهَا عُدَّت مِنَ الْمُحْدَثَاتِ؛ إِذ في الأَثر: “أَول مَا أُحدث بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَنَاخِلُ”(125)، فَأَخَذَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مَنْ أَخذ بِهِ، وظاهرٌ أَن ذَلِكَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّرَف والتَّنَعُّم، لَا مِنْ جِهَةِ أَنه بِدْعَةٌ، ولو عدُّوا كُلَّ مُحْدَثِ من الْعَادَاتِ بِدَعَةً، فَلْيَعُدّوا جَمِيعَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْكَلَامِ وَالْمَسَائِلِ النَّازِلَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِي الزَّمَانِ الأَول بِدَعاً، نَعَمْ لَا بُدَّ مِنَ الْمُحَافَظَةِ فِي الْعَوَائِدِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْقَوَانِينِ الْجَارِيَةِ عَلَى مُقْتَضَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

والذي يراه الشاطبي صوابا طَرِيقَة تَجْمَعُ شَتَاتَ النَّظَرَيْنِ، وَهُوَ ما ثَبَتَ فِي الأُصول الشَّرْعِيَّةِ أَنه لَا بُدَّ فِي كُلِّ عَادِيٍّ مِنْ شائبةِ التعبُّد؛ لأَن مَا لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ عَلَى التَّفْصِيلِ مِنَ المأْمور بِهِ، أَو المنهيِّ عَنْهُ فَهُوَ الْمُرَادُ بالتعبُّديّ، وَمَا عُقِلَ معناه وعُرِفَت مصلحته أَو مفسدته على التفصيل فَهُوَ الْمُرَادُ بِالْعَادِيِّ وإن كانت لا يخلو من نظر تعبدي، فإِن جاءَ الِابْتِدَاعُ فِي الأُمور الْعَادِيَّةِ مِنْ الوجه التعبدي فيها صَحَّ عنده دُخُولُ الابتداع فِيه جهة ما فيها من ملحظ تعبدي، ويرى هَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ الَّتِي يَدُورُ عليها حكم الباب، فما ذُكر من وَضْع المُكُوس فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ، فَلَا يَخْلُو أَن يَكُونَ عَلَى قصد نَيْلِ حُطام الدنيا، أَو يَكُونَ عَلَى قَصْدِ حمل الناس عليه كالدين الْمَوْضُوعِ، والأَمر المَحْتوم، بحيث يضاهي التشريع، فإن كان الأول فلا يرى الشاطبي فيه إشكالا في خروجه عن حدِّ البدعة، أما الثَّانِي: فَيرجح أَنه بِدْعَةٌ، إِذ هُوَ تَشْرِيعُ زَائِدٌ، وإِلزامٌ للمكلَّفين يُضَاهِي إِلزامهم الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَالدِّيَاتِ الْمَضْرُوبَةَ.

والشاطبي على عادته بعد تقرير القواعد يورد على الاعتراضات، فيقول هنا فإِن قِيلَ: أَما الِابْتِدَاعُ؛ بِمَعْنَى أَنه نَوْعٌ مِنَ التَّشْرِيعِ عَلَى وَجْهِ التعبُّد فِي العادِيّات كَمَا في بدع الخوارج وما شاكلهم من الفرق الخارجة عَنِ الْجَادَّةِ ـ: فَظَاهَرَ قَدْ تبيَّن وَجْهُهُ وَاتَّضَحَ مَغْزاه، وإِنما يَبْقَى وَجْهٌ آخَرُ يُشْبِهُهُ وَلَيْسَ بِهِ، وَهُوَ أَن الْمَعَاصِي وَالْمُنْكِرَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ قَدْ تَظْهَرُ وَتَفْشُو، وَيَجْرِي الْعَمَلُ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ عَلَى وجهٍ لَا يَقَعُ لَهَا إِنكار مِنْ خَاصٍّ وَلَا عَامٍّ، فَمَا كَانَ مِنْهَا هَذَا شأْنه: هَلْ يُعَدُّ مِثْلُهُ بِدَعَةً أَم لَا؟. ويجيب بأَن مِثْلَ هَذِهِ المسأَلة لها نظران:

أَحدهما: نظر من حيث وقوعها عملاً، فَلَا شَكَّ أَنها مخالَفَةٌ لَا بِدْعَةٌ، إِذ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ البدعة الاشتهار.

وَالثَّانِي: نظرٌ مِنْ جِهَةِ أَن يَعْمَلَ العوام أعمالا، وتشيع فيهم، ولا ينكرها الخواصّ، مع قدرتهم عَلَى الإِنكار، فيعتقد العامي جوازه، فمثل هذا يراه الشاطبي بدعة، إذ لَا مَعْنَى لِلْبِدْعَةِ عنده إِلا أَن يَكُونَ الْفِعْلُ في اعتقاد المعتقد مشروعاً، وليس بمشروع. (126).

قلت ولم يذكر الشاطبي هذا القيد في تعريف البدعة، فينبغي لمن ينقل عنه أن يُلحقه بتعريفه للبدع.

تفاوت البدع عند الشاطبي بالنظر إلى منشئها: وهي عنده من هذه الحيثية على من أَربعة أَوجه: بدعة مخترعة من مبتدع، وبدعة متوهمة من جهال لعمل العلماء على وجه المخالفة، والثالثة متوهمة من الجهال لسكوت العلماء عن الإنكار، والأخيرة من بَابِ الذرائع، وهو أَن يَكُونَ الْعَمَلُ فِي أَصله مَعْرُوفًا، إِلا أَنه يَتَبَدَّلُ الِاعْتِقَادُ فِيهِ مَعَ طُولِ الْعَهْدِ.

ويرى الشاطبي أَن هَذِهِ الأَقسام لَيْسَتْ عَلَى وزانٍ واحدٍ، بَلْ هِيَ فِي القُرب وَالْبُعْدِ متفاوتة، وأحقها باسم البدعة القسم الأول إذ تؤخذ عن المبتدع بالنص، وَيَلِيهِ الْقِسْمُ الثَّانِي: إذ الْعَمَلَ يشبه التَّنْصِيصُ بِالْقَوْلِ، غَيْرَ أَنه لا يتنزَّل منزلته من كل وجه، وَيَلِيهِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إذ تَرْكَ الإِنكار لا يتنزَّل مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَهُ؛ لأَن الصَّوَارِفَ لِلْقُدْرَةِ كثيرة بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فإِنه لَا عُذْرَ فِي فِعْلِ الْمُخَالَفَةِ، مَعَ عِلْمِهِ بكونها مُخَالَفَةً، وَيَلِيهِ الْقِسْمُ الرَّابِعُ: لأَن المفسدة المُتَوَقَّعة لا تُعَدَّ في رُتْبَةَ الْوَاقِعَةِ أَصلاً، فَلِذَلِكَ عدها الشاطبي مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ(127).

الخاتمـــــــــــة:

الحمد لله الذي تتم بحمده الصالحات، وتتنزل البركات، وعلى نبيه أزكى الصلوات والتحيات، وبعد

هذه خاتمة البحث أضمنها خلاصة ما توصلت إليه من نتائج، ثم أتقدم للباحثين بجملة من التوصيات.

أولا: نتائج البحث:

  1. توصل الباحث إلى تحديد خصائص البدعة عند كل من الإمامين شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي، وأنها عندهما ليست على رتبة واحدة، وأن متعلقها العبادات دون العادات.
  2. أثبت الباحث أن شيخ الإسلام يرى أن الرافضة أوغل الطوائف في البدع، وأشدهم قدحًا في السلف، وفي المقابل يرى طوائف أخرى أقرب إلى طريقة السلف، وإن وجدت عليهم مؤاخذات مثل الأشعرية، والصوفية، وشنع على المعتزلة منهجهم الغالي في العقل على حساب النقل، ونسبهم بذلك إلى الابتداع.
  3. لا يرى الشاطبي حصر أهل البدع في طائفة معينة، بل حدد مناهج الاستدلال للمبتدعة ورأى أن كل من تلبس بها نسب إلى الابتداع.
  4. حدد الباحث مفهوم الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ عند ابن تيمية، وأوضح منهجه في الاحتجاج بها، وبين أن الِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِصْلَاحُ عند ابن تيمية متقربان.
  5. بين الباحث ضوابط المصلحة المرسلة عند الشاطبي، كما وضح منهجه في الاستدلال بالاستحسان.
  6. ابن تيمية إذ يحكم ببدعيّة بعض الفرق لا يكفّرهم، لكنه يرى البدع من مَبَادِئ الْكُفْرِ وَمَظَانه، لذلك حذر من البدع، وبيّن أنها شر من المعصيــة.
  7. ضعّف الشاطبي انقسام البدع بحسب الأحكام الخمسة رغم أن رتبها مُتَفَاوِتَةً عنده، حيث ردها إلى النظر المقاصدي وذلك بحسب ما تقع فيه من رتب الضَّرُورِيَّاتِ، أَوِ الْحَاجِيَّاتِ، أَو التَّكْمِيلِيَّاتِ، ولكنه 8. لا يراها إلا ضلالة ، فهي وإن تفاوتت في الذم فَوَصْفُ الضَّلَالَةِ شاملٌ لأَنواعها.

ثانيا توصيات البحث:

    1. لا خلاف في كون البدع مذمومة، وإنما الخلاف في تحديد ما هو بدعة مما ليس كذلك، لذلك يوصي الباحث بمزيد التمحيص لمفهوم البدع على ضوء القواعد الأصولية وأدلة الشريعة الأصلية حتى يفهم الغالون في التبديع ما يُسْتَحسِنُ من محدثات الأمور وما يُذَمّ.
    2. في المقابل يوصي الباحث بمزيد تجلية الصيغة النهائية التي ارتضاها المولى عز وجل لجريان الحياة على وفقها وحث الناس على اتباعها لتتحقق لهم سعادتهم في العاجل والآجل، وهي صيغة على ما فيها من جوانب مرنة، فيها أيضا جوانب ثابتة لا ينبغي التزيد فيها، ولا الانتقاص منها.

مسرد بأهم مصادر البحث ومراجعه

  • ابن أبي داود، أبو بكر، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (المتوفى: 316هـ)، المصاحف، تحقيق: محمد بن عبده، الفاروق الحديثة- مصر / القاهرة، ط: 1، 1423هـ- 2002م.
  • ابن الأثير: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري (المتوفى: 606هـ)، الغريب والمعاجم ولغة الفقه: تحقيق: طاهر أحمد الزاوى- محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية- بيروت، 1399هـ- 1979م.
  • ابن الأثير: مجد الدين أبو السعادات، المبارك بن محمد بن محمد بن محمد الشيباني الجزري (المتوفى: 606هـ)، النهاية في غريب الحديث، المكتبة العلمية- بيروت، 1399هـ- 1979م.
  • ابن الملقن: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: 804هـ) تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (على ترتيب المنهاج للنووي)، تحقيق عبد الله بن سعاف اللحياني، دار حراء- مكة المكرمة، ط: ، 1406.
  • ابن بدران: عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بدران، (المتوفى: 1346هـ)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط: 2، 1401 ه.
  • ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني (المتوفى: 728هـ)، مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م.
  • ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني (المتوفى: 728هـ)، مجموعة الرسائل والمسائل، علق عليه: السيد محمد رشيد رضا، لجنة التراث العربي، بدون رقم للطبعة وبدون تاريخ للنشر.
  • ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل: دار عالم الكتب، بيروت، لبنان، ط: 7، 1419هـ- 1999م.
  • ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)، درء تعارض العقل والنقل: تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية، ط: 2، 1411 هـ- 1991 م.
  • ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن، أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)، الاستقامة، تحقيق د. محمد رشاد سالم: جامعة الإمام محمد بن سعود- المدينة المنورة، ط: 1، 1403ه.
  • ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ، تحقيق: ربيع بن هادي عمير المدخلي، مكتبة الفرقان – عجمان، ط: 1 (لمكتبة الفرقان) 1422هـ- 2001هـ.
  • ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط: 1، 1406 هـ- 1986 م.
  • ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري: الفصل في الملل والأهواء والنحل، (المتوفى: 456هـ)، مكتبة الخانجي – القاهرة، بدون رقم للطبعة ولا تاريخ للنشر.
  • ابن رجب: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ)، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم: تحقيق: شعيب الأرناؤوط- إبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط: 7، 1422هـ- 2001م.
  • ابن فارس: أحمد بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، عام النشر: 1399هـ- 1979م.
  • ابن منظور: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: 711هـ)، لسان العرب، ، دار صادر – بيروت، ط: 3- 1414 هـ.
  • أبو شُهبة، محمد بن محمد بن سويلم (المتوفى: 1403هـ) الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، دار الفكر العربي، بدون رقم للطبعة، ولا تاريخ للنشر.
  • الآجُرِّيُّ: أبو بكر محمد بن الحسين البغدادي (المتوفى: 360هـ)، الشريعة، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، دار الوطن- الرياض / السعودية ط: 2، 1420 هـ- 1999م.
  • أحمد: أبو عبد الله بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، (المتوفى: 241هـ)، المسند، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الحديث – القاهرة، ط: 1، 1416 هـ- 1995 م.
  • الأزهري: محمد بن أحمد الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ)، تهذيب اللغة: تحقيق محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط: 1، 2001م.
  • الإسنوي: عبد الرحيم بن الحسن بن علي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)، نهاية السول شرح منهاج الوصول: دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان، ط: 1، 1420هـ- 1999م.
  • الأشعري: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (المتوفى: 324هـ)، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، عنى بتصحيحه: هلموت ريتر، دار فرانز شتايز، بمدينة فيسبادن (ألمانيا)، ط: 3، 1400 هـ- 1980.
  • الألباني: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري (المتوفى: 1420هـ)، ضعيف الجامع الصغير وزيادته، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الطبعة: المجددة والمزيدة والمنقحة، بدون رقم للطبعة ولا تاريخ للنشر.
  • الآمدي: أبو الحسن سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي (المتوفى: 631هـ)، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- لبنان، بدون رقم للطبعة ولا تاريخ للنشر.
  • أمير بادشاه الحنفي: محمد أمين بن محمود البخاري المعروف (المتوفى: 972 هـ)، تيسير التحرير، الناشر: مصطفى البابي الْحلَبِي- مصر (1351 هـ- 1932 م)، وصورته: دار الكتب العلمية- بيروت (1403 هـ- 1983 م)، ودار الفكر- بيروت (1417 هـ- 1996 م).
  • الأنباري: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر (المتوفى: 328هـ)، الزاهر في معاني كلمات الناس: تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط: 1، 1412 هـ- 1992.
  • البخاري: عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين الحنفي (المتوفى: 730هـ)، كشف الأسرار عن أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي، بدون طبعة وبدون تاريخ.
  • البخاري: محمد بن إسماعيل الجعفي، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، الشهير بصحيح البخاري: ، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، ط: 1، 1422هـ صحيح البخاري.
  • الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، (المتوفى: 279هـ)، سنن الترمذي، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، ط: 2، 1395 هـ- 1975م.
  • التهانوي: محمد بن علي ابن القاضي محمد حامد بن محمّد صابر الفاروقي الحنفي (المتوفى: بعد 1158هـ)، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم، تحقيق: د. علي دحروج ، مكتبة لبنان بيروت، ط: 1- 1996م).
  • الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي (المتوفى: 393هـ)، الصحاح، تاج اللغة وصحاح العربية: تحقيق: أحمد عبد الغفور، عطار: دار العلم للملايين – بيروت، ط: 4، 1407 هـ‍- 1987م.
  • الجويني: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)، البرهان في أصول الفقه: تحقيق: صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، ط: 1، 1418 هـ- 1997.
  • الحميري: نشوان، بن سعيد اليمني (المتوفى: 573هـ)، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، تحقيق د حسين بن عبد الله العمري- مطهر بن علي الإرياني- د يوسف محمد عبد الله، دار الفكر المعاصر (بيروت- لبنان)، دار الفكر (دمشق- سورية)، ط: 1، 1420 هـ- 1999م.
  • الدارمي: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهرام بن عبد الصمد، التميمي السمرقندي (المتوفى: 255هـ)، مسند الدارمي المعروف بـ (سنن الدارمي)، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، ط: 1، 1412 هـ- 2000 م.
  • الراغب: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفى: 502هـ)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدار الشامية- دمشق بيروت، ط: 1، 1412 هـ.
  • الرملي: شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة، شهاب الدين (المتوفى: 1004هـ)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: دار الفكر، بيروت، ط أخيرة- 1404هـ/1984م.
  • الزجاج: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق (المتوفى: 311هـ)، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب – بيروت، ط: 1، 1408 هـ- 1988 م. 439).
  • السخاوي: أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد (المتوفى: 902هـ)، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي – بيروت، ط: 1، 1405 هـ- 1985م.
  • السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (المتوفى: 911هـ)، صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته، مع الكتاب: أحكام محمد ناصر الدين الألباني، كتاب الإلكتروني يمثل جميع أحاديث الجامع الصغير وزيادته للسيوطي، مع حكم الشيخ ناصر من صحيح أو ضعيف الجامع الصغير، وهو متن مرتبط بشرحه، من فيض القدير للمناوي، [الكتاب مرقم آليا، فهو- بهذا الترتيب- إلكتروني فقط، لا يوجد مطبوعا].
  • الشاطبي إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير (المتوفى: 790هـ)- الاعتصام: تحقيق ودراسة: الجزء الأول: د. محمد بن عبد الرحمن الشقير، الجزء الثاني: د سعد بن عبد الله آل حميد، الجزء الثالث: د هشام بن إسماعيل الصيني، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، ط: 1، 1429 هـ- 2008 م.
  • الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، (المتوفى: 790هـ)، الموافقات: تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط: 1، 1417هـ/ 1997م.
  • الصاوي: أبو العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي (المتوفى: 1241هـ)، بلغة السالك لأقرب المسالك المعروف بحاشية الصاوي على الشرح الصغير، دار المعارف، بدون رقم للطبعة وبدون تاريخ للنشر.
  • الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ)، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية – القاهرة.
  • الطبري: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر (المتوفى: 310هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط: 1، 1420 هـ- 2000 م.
  • العجلوني: إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي الدمشقي، أبو الفداء (المتوفى: 1162هـ)، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، المكتبة العصرية، تحقيق: عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي، ط: 1، 1420هـ- 2000م.
  • العراقي: ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم، (ت: 826هـ)، الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، تحقيق: محمد تامر حجازي، دار الكتب العلمية، ط: 1، 1425هـ- 2004م.
  • الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد الطوسي، (المتوفى: 505هـ)، المستصفى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي: دار الكتب العلمية، ط: 1، 1413هـ- 1993م.
  • الفراهيدي: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم البصري (المتوفى: 170هـ)، العين: تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.
  • القرافي: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي (المتوفى: 684هـ)، أنوار البروق في أنواء الفروق: عالم الكتب، بدون طبعة وبدون تاريخ.
  • القرافي: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي (المتوفى: 684هـ)، شرح تنقيح الفصول، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، شركة الطباعة الفنية المتحدة، ط: 1، 1393 هـ- 1973 م.
  • اللالكائي: أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور، الطبري الرازي، (المتوفى: 418هـ) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة – السعودية، ط: 8، 1423هـ / 2003م.
  • مالك: بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)، الموطأ، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية- أبو ظبي – ، ط: 1، 1425 هـ- 2004 م.
  • الماوردي: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، (المتوفى: 450هـ)، النكت والعيون، تحقيق السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية- بيروت / لبنان.
  • المباركفوري: أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني (المتوفى: 1414هـ)، مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء- الجامعة السلفية- بنارس الهند، ط: 3- 1404 هـ، 1984 م (8/ 364).
  • مسلم: بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشهير بصحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، بدون تاريخ للنشر.
  • النووي: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف (المتوفى: 676هـ)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط: 2، 1392، 7/104.
  • الهروي: أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله البغدادي، (المتوفى: 224هـ)، فضائل القرآن: تحقيق: مروان العطية، ومحسن خرابة، ووفاء تقي الدين، دار ابن كثير (دمشق- بيروت)، ط: 1، 1415 هـ- 1995م.

 

 

 

Heresy (bid’ah) an methodologies of heresy from the perspective of the two imams:
ibn Taymiya and shatibi. – A comparative fundamentalist study –

This paper studies the concept of heresy from the perspective of the two Imams Ibn Taymiya and Al Shatibi. It presents examples of their works on the heretics and shows the difference between heresy and unprecripted interest and approved interest, and the levels of heresy and some of the laws pertaining to them. The author has determined the characterization of heresy (bid’a) by the two Imams, that it is not of the same category in both of them , that it concerns rituals not customary behavior and he explains their method of argumentation using notions of unprescripted interest and approved one. Keywords: Heresy (bid’ah), Sunnah, Ibn Taymiya, Shatibi, unprescripted interest, approved interest.

 

 

1() تعريف السنة أمر ممهد لتعريف البدعة، لذلك اسهبت في التعريف، وعرجت على مفهوم السنة عند الإمامين.

2() الأنباري: الزاهر في معاني كلمات الناس، 2/339.

3() الراغب: المفردات في غريب القرآن، ص: 429.

4() الأزهري: تهذيب اللغة، 12/ 210.

5() ابن منظور: لسان العرب، 13/225.

6() بن فارس: معجم مقاييس اللغة، 3/60.

7() مسلم: الجامع الصحيح، (1/ 465) حديث رقم: 2669.

8() ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، (2/ 409).

9() أبو شُهبة: الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، (ص: 16).

10() الجويني: البرهان في أصول الفقه، (2/ 196).

11() العراقي: الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، (ص: 38).

12() ابن بدران: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، (ص: 152)

13() مسلم: الجامع الصحيح، (1/ 453)، حديث رقم: 654.

14() مسلم: الجامع الصحيح، (1/ 453)، حديث رقم: 654.

15() التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، (977- 983 ).

16() البركتي: قواعد الفقه، (ص: 328).

17() وهي التي لها تعلق أكبر بموضوع هذا البحث.

18() البخاري: الجامع الصحيح،(4/ 70)، حديث رقم: 3053، ومسلم الجامع الصحيح أيضا،(3/ 1258)، 1637.

19() جمع أبو بكر القرآن خشية ذهاب شيء منه بذهاب حملته، فجمعه في صحائف مرتبًا للآيات والسور وفق ما وقفهم عليه النبي- صلى الله عليه وسلم، ابن أبي داود: المصاحف ص 11- 16. ثم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرؤون القرآن بعده على الأحرف السبعة إلى أن وقع الاختلاف بين القراء في زمن عثمان رضي الله عنه، فقدم حذيفة بن اليمان من غزوة أرمينية، فشافهه بذلك فجمع عثمان الناس، وشاورهم في جمع القرآن على حرف واحد؛ فاستصوبوا رأيه، ففعل ذلك. ابن أبي داود: المصاحف ص 25: ص 34/ القاسم بن سلام: فضائل القرآن، ص 152- 162/ البغوي شرح السنة: ج 4 ص 513- 526.

20() كما فعل عُمَرُ حيث جمع الناس عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ خَرَج لَيْلَةً وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» مالك: الموطأ، (1/ 114).

21() بن تيمية: مجموع الفتاوى، (3/ 157).

22() أحمد: المسند (28 / 373) حديث رقم: 17144، بلفظ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ. قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة(6/ 526)، هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.

23() الشاطبي: الموافقات،(4/ 290).

24() مراده بالوجود الإيجاد، أي عثرنا عليه أو لم نعثر، ليستقيم قوله: “لِكَوْنِهِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُمْ لَمْ تُنْقَلْ إلينا”.

25() الشاطبي: الموافقات،(4/ 290)، مصدر سابق.

26() لا يفهم من الاجتهاد النظر المباشر في أدلة الكتاب والسنة إذ لا يظهر وجه مقابلته بما قبله بل يصبح هو عينه.

27() حيث عطف- صلى الله عليه وسلم- سنتهم على سنته، وهذا يرجح أن ما أفتى به الخلفاء الراشدون أو عملوه أو ما استنبطوه بمقتضى نظرهم المصلحي مستنده سنته- صلى الله عليه وسلم- وإن لم يرفعوه إليه، إذ لا تشريع بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

28() تقدم تخريجه قريبا.

29() الفراهيدي: العين، (2/ 54).

30() الراغب: المفردات في غريب القرآن، (ص: 111)، مصدر سابق.

31() الأزهري: تهذيب اللغة، (2/ 142)، مصدر سابق.

32() ابن فارس: مقاييس اللغة، (1/ 209)، مصدر سابق.

33() ابن منظور: لسان العرب،(8/ 6)، مصدر سابق.

34() الجوهري: اللغة وصحاح العربية، (3/ 1183).

35() الماوردي: النكت والعيون، (1/ 178).

36() الزجاج: معاني القرآن وإعرابه، (4/ 439).

37() مسلم: الجامع الصحيح (2/ 592)، حديث رقم: 867.

38() أحمد: المسند (28/ 173)، حديث رقم: 16970.

39() مسلم: الجامع الصحيح (3/ 1506)، حديث رقم: 1893.

40() الخطابي: معالم السنن، (4/ 150).

41() ابن تيمية: مجموع الفتاوى، (18/ 346).

42() ابن تيمية الاستقامة، (1/ 42).

43() ابن تيمية: مجموع الفتاوى، (4/ 107- 108).

44() ابن تيمية: الفتاوى، 5/ 217.

45() الشاطبي: الاعتصام، (1/ 45- 60).

46() الشاطبي: الاعتصام، (1/46- 47).

47() إشارة إلى ما أخرجه البخاري (حديث رقم 6704)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ، وَلاَ يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ.

48() إشارة إلى أثر أَبي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، في شأن حِلَق الذكر فِي الْمَسْجِدِ، أخرجه الدارمي في مسنده برقم: 210، قال محققه حسين سليم أسد الداراني، إسناده جيد.

49() قال رحمه الله: (الفرق الرابع والخمسون والمائتان بين قاعدة ما يحرم من البدع وينهى عنه وبين قاعدة ما لا ينهى عنه منها)، القرافي: البروق في أنواء الفروق (4/ 217).

50() قال رحمه الله: “الأصحاب- فيما رأيت- متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره، والحق التفصيل، وأنها خمسة أقسام” القرافي: أنوار البروق في أنواء الفروق (4/ 217).

51() الشاطبي: الاعتصام، (1/ 246).

52() ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، (5/ 154).

53() المصدر نفسه: (5/ 160- 161).

54() المصدر نفسه: (2/ 607).

55() ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، (6/ 663).

56() المصدر السابق: (11/ 17- 18).

57() ابن تيمية: الاستقامة، (1/ 23).

58() بسط الشاطبي أوصاف أهل البدع ومناهجهم في الاستدلال في الاعتصام: (2/ 5- 140)

59() قال بنفيه الخوارج والمعتزلة، انظر الشريعة للآجري (ص358)، ومقالات الإسلاميين لأبي الحسن لأشعري (2/ 116).

60() أنكره القاضي عبد الجبار المعتزلي وكثير من أتباعه زعما منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة. . “انظر لوامع الأنوار (2/ 193)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (6/ 1177).

61() أنكرته المعتزلة، انظر مقالات الإسلاميين للأشعري (2/ 164)، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (4/ 65).

62() الشاطبي: الاعتصام، (2/ 139).

63() ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ( 11 / 342- 343).

64() المصدر نفسه (11 / 343).

65() المصدر نفسه، ( 11 / 344- 343).

66() المصدر نفسه، ( 11 / 344).

67() ابن تيمية: قاعدة في المحبة، (ص: 18).

68() ابن تيمية: مجموع الفتاوى،) 11/343- 345 (.

69() انظر ابن تيمية: مجموع الفتاوى، (11/344- 347).

70() الشاطبي: الاعتصام، (3/ 5- 6).

71() ذَهَبَ الباقلاني ووافقه أكثر الشافعية، والمتأخرون من الحنابلة، وبعض الحنفية وَطَائِفَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إلى رَدِّهِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلى أَصْلٍ. انظر: تيسير التحرير (4 171)، والإحكام للآمدي (4 160)، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلى أنه حجة مطلقاً، وهو منقول عن الشافعي في القديم. انظر: شرح تنقيح الفصول (446 ـ 447)، وشرح الإسنوي (3 135)، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُعْظَمُ الْحَنَفِيَّةِ إلى التَّمَسُّكِ بِالْمَعْنَى/ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ إلى أَصْلٍ صَحِيحٍ، لَكِنْ بِشَرْطِ قُرْبِهِ مِنْ مَعَانِي الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ، هَذَا مَا حَكَى الْإِمَامُ الْجُوَيْنِيُّ (البرهان: 2 1113)، وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ إلى أَنَّ الْمُنَاسِبَ إِنْ وَقَعَ فِي رُتْبَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ لَمْ يُعْتَبَرْ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ أصل معين، وَإِنْ وَقَعَ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيِّ فَمَيْلُهُ إلى قَبُولِهِ، لَكِنْ (بِشَرْطٍ). قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يؤدي إليه اجتهاد/ مجتهد.

72() الشاطبي: الاعتصام، (3/7).

73() المصدر نفسه (3/ 8- 12).

74() المصدر نفسه، بداية من الصفحة 612 من الجزء الثاني.

75() البخاري: الجامع الصحيح، (6/ 71)، حديث رقم: 4679.

76() البخاري: الجامع الصحيح،، (6/ 183) حديث رقم: 4987.

77()أخرج البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ غُلاَمًا قُتِلَ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: «لَوِ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ» صحيح البخاري (9/ 8)، حديث رقم: 6896.

78() الشيخ الدردير: الشرح الصغير، 2/ 385، وحاشية الدسوقي 4/ 249.

79() ابن الملقن: تحفة المحتاج 8/ 406، والرملي: نهاية المحتاج 7/ 274.

80() انظر الشاطبي: الاعتصام، (3/35- 40).

81() المصدر نفسه، (3/42- 43).

82() الحميري: شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، (3/1449).

83() الشاطبي: الاعتصام، (3/ 45- 44).

84() انظر الغزالي: المستصفى، (ص: 173) قال رحمه الله: “هَذَا هَوَسٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ وَهْمٌ وَخَيَالٌ أَوْ تَحْقِيقٌ وَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ لِيَعْتَبِرَ بِأَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ لِتُصَحِّحَهُ الْأَدِلَّةُ أَوْ تُزَيِّفَهُ، أَمَّا الْحُكْمُ بِمَا لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَمِنْ أَيٍّ يُعْلَمُ جَوَازُهُ….

85() البزدوي: كشف الأسرار عن أصول علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، (4/7 ).

86() المصدر نفسه: (4/5).

87() المصدر نفسه: 4/13- 15

88() البخاري الجامع الصحيح: (3/ 85)، حديث رقم: 2240، والسلم بفتحتين: السلف وزناً ومعنى إلا أن السلف لغة أهل العراق والسلم لغة أهل الحجاز، ابن حجر: فتح الباري: 4/538 – 539.

89() البخاري: الجامع الصحيح،(3/ 90)، حديث رقم: 2270.

90() انظر صور الاستحسان وأمثلتها: كشف الأسرار: 4/11- 10.

91() الشاطبي: الموافقات، 4/208.

92() النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (7/104).

93() ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 3/348.

94() ابن تيمية درء تعارض العقل والنقل، (1/ 209)

95() ابن تيمية: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، (1/ 28)

96() ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، (2/ 142).

97() المصدر نفسه، (2/ 142).

98() ابن تيمية: مجموعة الرسائل والمسائل، (5/ 201)

99() ابن تيمية: مجموع الفتاوى، (3/ 348)

100() المصدر نفسه، (11/ 472)

101() ابن تيمية اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، (2/ 104)

102() ابن تيمية: مجموع الفتاوى، (10/ 565)

103() أي المباح والمندوب والواجب لوقوعها في قسم المشروع، والبدعة غير مشروعة ولا أصل لها.

104() الشاطبي: الاعتصام، (2/ 354).

105() انظر الأوجه الثلاثة: الشاطبي: الاعتصام ت الشقير والحميد والصيني (2/ 356).

106() مثل التي نَبَّه عَلَيْهَا الله تعالى بقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا } [الأنعام: 136]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 139] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ } [المائدة: 103]، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا لا يُشَكّ في أَنه كُفْرٌ صُرَاحٌ.

107() الشاطبي: الاعتصام، (2/ 377)، والحديث تقدم تخريجه.

108() المصدر نفسه، (2/ 378- 377).

109() أي أن المباح المجرد لا مؤاخذة عليه ولا ثواب ما لم يُتخذ وسيلة للطاعة أو وسيلة للحرام، فيعطى حينئذ وصف ما توسل به إليه.

110() الشاطبي: الاعتصام، (2/ 379- 378).

111() البخاري: الجامع الصحيح (7/ 2)، حديث: رقم5063، ومسلم الجامع الصحيح (2/ 1020) حديث: رقم 1401.

112() البخاري الجامع الصحيح البخاري (5/ 41)، حديث رقم: 3834، وانظر الشاطبي: الاعتصام، (2/ 383- 180).

113() المباركفوري: مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، (8/ 364).

114() الشاطبي: الاعتصام، (2/ 380- 386).

115() المصدر السابق: (2/ 387- 388).

116() المصدر السابق، (2/388- 389).

117() المصدر السابق: (2/ 390- 391).

118() المصدر السابق: (2/294- 296).

119() المصدر السابق (2/397- 398)

120() الشاطبي: الاعتصام، (2/402- 403).

121() انظر هذه الشروط في الاعتصام: (2/ 404 – 416).

122() روي حديثا مرفوعا، والمرفوع ضعفه ابن رجب، (جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط(1/ 449)، وضعف إسناده أيضًا الإمام السخاوي، )المقاصد الحسنة (ص: 726)، وكذا ضعفه العجلوني، (كشف الخفاء ت هنداوي (2/ 448)، فالحاصل أن رواية ابن عباس المرفوعة ضعيفة، لكن توجد رواية عن عائشة بلفظ: ما كبيرة بكبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة بصغيرة مع الإصرار، وهذه الرواية أخرجها السيوطي في الجامع الصغير، ص: 11911. وجزم الألباني بتضعيفها في: (ضعيف الجامع الصغير، حديث رقم: 5127)، أما أثر ابن عباس الموقوف فقد رواه ابن جرير، في جامع البيان ت شاكر (8/ 245)حديث رقم: 9207 وتابعه عليه عامة أهل التفسير.

123() انظر بسط الشاطبي لأدلة الفريقين الاعتصام: (2/ 416- 431).

124() البخاري: الجامع الصحيح، حديث رقم: 7052، (9/ 47).

125() لم أجده بهذا اللفظ، لكن أخرج الطبراني عن أبي حَازِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: هَلْ كَانَتِ الْمَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ مُنْخُلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَمَا أَكَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعِيرًا مَنْخُولًا حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا». المعجم الكبير للطبراني (6/ 159)، حديث: 846

126() الشاطبي: الاعتصام، (2/ 493- 431)

127() المصدر السابق (2/ 493- 495 ).

==> أرسل بحثك <==