موقف طه حسين من نبوة النبي محمد ﷺ وما جاء به من الوحي
من خلال كتابه ( في الشعر الجاهلي )

هدى بنت عبد الله الدامغ

قسم الدراسات الإسلامية || كلية التربية || جامعة الملك سعود || المملكة العربية السعودية

DOI PDF

هدف هذا البحث إلى استنباط موقف طه حسين من نبوة النبي r وما جاء به من الوحي، من خلال عرض أقواله وآرائه حول هذين الموضوعين، الواردة في كتابه “في الشعر الجاهلي”، ومناقشتها تحت ضوء العقيدة الإسلامية ومنهج أهل السُّنة والجماعة. كما يهدف البحث إلى الدفاع عن مقام النبوة والوحي اللذين تعرَّض لهما طه حسين بالتشكيك وإثارة الشُّبه، وبيان خطر مثل هذه الأقلام المسمومة. ومن أهم النتائج التي توصل إليها البحث: 1-  اتسم منهج طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي” بمنهج الشك وإثارة الشُّبه حول الثوابت والمسلَّمات. 2- أن النبي r في فكر طه حسين لم يكن إلا رجلًا عاديًّا، يطمح للسلطة السياسية والاقتصادية؛ فلا اصطفاء، ولا نبوة، ولا رسالة في الحقيقة. 3- أما مصدر القرآن الكريم: فهو عند طه مِن وضع مَن جاء به، وهو النبي r، وقد تأثر في وضعه بمؤثِّرات البيئة حوله؛ فليس بوحي ولا تنزيل من الله، ولا معجِز! 4- أن النص القرآني في كتابات طه حسين: محدود القيمة، محدود الزمان والمكان. 5- وجوب التركيز على كتابات الأدباء وعرضها على الكتاب والسُّنة، ثم رد المخالِف منها، والتحذير منه، وبيان خطره.

الكلمات المفتاحية: عقيدة- الوحي- النبوة- طه حسين- الانحرافات العقدية.

المقدمة:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يَهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُهُ ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنه لا يتم إيمانُ أحد حتى يؤمن بالله، وكتبه، ورسله؛ كما جاء في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب t لما سأل جبريل عليه السلام الرسولَ r: ما الإيمان، فأجابه: «أن تؤمنَ باللهِ، وملائكته، وكُتُبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمنَ بالقدَر؛ خيرِه وشرِّه»([1]).

ولما كانت هناك أمور هي من مصالح الإنسان الضرورية، ويستحيل عليه إدراكها تفصيلًا بعقله وحواسه؛ مثل: تفصيلات الإيمان بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، وأمور الغيب الأخرى؛ كأمور الآخرة، والبعث والحساب، والجنة والنار، وتفصيلات الأحكام الشرعية: فقد اصطفى الله رسلًا من خيار البشر، وأوحى إليهم دِينه وشَرعه ليبلغوه خَلْقه، وأيَّدهم في ذلك بالآيات والبراهين الدالة على صدقهم.

وكان خاتمَ الأنبياء والمرسلين محمدٌ r، الذي بعثه الله في هذه الأمة ليخرجها من الظلمات إلى النور، وأوحى إليه هذا القرآن العظيم، الذي عجَزَ عن الإتيان به أحد من الجن والإنس ولو اجتمعوا؛ قال سبحانه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].

ولقد ابتُليت الأمةُ بأفراد حاولوا إثارة الشُّبَه حول نبوة محمد r وما جاء به من القرآن العظيم، والتشكيك فيهما، وكان طه حسين أحد هؤلاء الذين ذاع صِيتُهم في العصر الحاضر، وراجت أفكاره وآراؤه، وكانت تلك الأفكار والآراء ذات صِبغة مضلِّلة، ولما كان تلاميذه- وما زالوا- يشيدون به، فقد رأيت أن أعرض بعض مواقفه من نبوة النبي r وما جاء به من الوحي والكتاب العزيز من خلال كتابه: “في الشعر الجاهلي”.

مشكلة البحث:

تدور مشكلة البحث حول إعجاب كثير من أفراد الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر بشخصية طه حسين، وكتاباته وأدبه، وخطورة هذه الشخصية التي اتخذت الشك منهجًا لها في الكتابة والتأليف، وبخاصة في كتاب “في الشعر الجاهلي”، الذي تعرَّض فيه لمقام النبوة والوحي ببعض الشُّبَه والانحرافات العقدية؛ فكان هذا البحث الذي يكشف عن هذه الآراء والشُّبَه، وينقدها في ضوء العقيدة الإسلامية.

أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

تبرز أهمية هذا البحث وسبب اختياره في عدة نقاط؛ منها:

  • كون طه حسين قد رفعت منزلته في كثير من وسائل الإعلام والتعليم، وأطلقت له ألقابًا متعددة تمجده وتشيد بأدبه وكتاباته.
  • الدفاع عن مقام النبوة، ورد الشبهات التي أثارها طه حسين حول نبوة النبي r.
  • الخطر العظيم الموجود في كتابات طه حسين؛ كونه أحد رموز التغريب في العالم الإسلامي، وله السبق في التشكيك في نصوص الوحي عن طريق الأدب العربي.

الدراسات السابقة:

لم أقف على دراسة خصصت بدراسة موقف طه حسين من نبوة النبي r وما جاء به من الوحي في ضوء العقيدة الإسلامية، لكن وجدت مواضيع أخرى درست طه حسين، ومن ذلك:

  • بحث بعنوان “فكر طه حسين في ضوء العقيدة الإسلامية” من إعداد الباحثة: فاطمة الحسني والتي نالت بها درجة الماجستير من قسم العقيدة في جامعة أم القرى عام 1430هـ
  • بحث بعنوان “دراسة تحليلية لآراء طه حسين التربوية في كتاب مستقبل الثقافة في مصر من المنظور التربوي الإسلامي” من إعداد الباحثة: فخرية خوج والتي نالت بها درجة الماجستير من قسم التربية الإسلامية والمقارنة في جامعة أم القرى، عام 1409هـ
  • بحث بعنوان “تربية المرأة بين المودودي وطه حسين” من إعداد الباحثة: منيرة القاسم والتي نالت بها درجة الماجستير من قسم التربية الإسلامية والمقارنة في جامعة أم القرى، عام 1408هـ

 

 

خطة البحث:

يتكون البحث من مقدمة، وتمهيد، ومبحثين، وخاتمة، وهي على النحو التالي:

المقدمة، وتشتمل على: فكرة الموضوع، ومشكلة البحث، وأهمية الموضوع، وأسباب اختياره، ودراساته السابقة، وخطة البحث.

التمهيد: وفيه التعريف بشخصية “طه حسين” وكتابه.

المبحث الأول: موقف طه حسين من شخصية محمد r ونبوته.

المبحث الثاني: موقفه من الوحي وما جاء به النبي محمد r.

الخاتمة.

التمهيد:

المطلب الأول: التعريف بشخصية “طه حسين”:

وُلد طه حسين علي سلامة عام 1889م في قرية الكيلو بإقليم المنيا في الصعيد المصري، وأصيب بالجدري في الثالثة من عمره، فكُفَّ بصره، وكان لآفة فقد البصر أعظمُ الأثر- سلبًا وإيجابًا- في حياته.

التحق بكتَّاب القرية شأنه شأن أترابه في قرى مصر آنذاك، حتى حفظ القرآن الكريم وهو في التاسعة من عمره، ووعى من الأغاني والأوردة وأناشيد الصوفية.

وفي عام 1902م ولما بلغ الثالثة عشرة من عمره، أرسله والده مع أخيه الأكبر ليلتحق بالأزهر، فالتحق به، ومكث متنقلًا بين حلقات العلوم الشرعية، واللغة والأدب([2])، ولكن طه لم تعجبه الدراسة في الأزهر، ولم ترُقْ له طرق شيوخه في التدريس، وكان كثيرًا ما يصف دروس الأزهر بالجمود والتكرار([3])، فترك الأزهر عام 1908م، والتحق بالجامعة الأهلية منتظمًا، وأحب دروسها، وسمع إلى من كانوا يحاضرون بها من المصريين، ومن المستشرقين كذلك، وفي عام 1914م تقدم لنيل درجة الدكتوراه برسالة عن أبي العلاء المعري، فكان أول من نال شهادة (الدكتوراه) من الجامعة الأهلية، وقررت الجامعة بعد ذلك إرساله في بعثة إلى باريس، فتخرج بالسوربون عام 1918م، وعاد إلى مصر، فاتصل بالصحافة، وعُيِّنَ محاضرًا في كلية الآداب بجامعة القاهرة.

ثم كان عميدًا لتلك الكلية، فوزيرًا للمعارف، وكان من أعضاء المجمع العلمي العربيِّ المراسلين بدمشق، ثم رئيسًا لمجمع اللغة بمصر.

ومما طبع من كتبه: (حديث الأربعاء)، و(قادة الفكر)، و(على هامش السيرة)، و(مع أبي العلاء في سجنه)، و(مع المتنبي)، و(الشيخان)، و(الأيام)، وله أيضًا: (فسلفة ابن خلدون)، التي نال بها درجة الدكتوراه من السوربون.

توفي طه حسين في القاهرة أواخر عام 1973م عن ثلاثة وثمانين عامًا([4]).

 

قال عنه مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: (إن طه حسين هذا مجموعةُ أخلاق مضطربة، وأفكار متناقضة، وطباع زائغة… وطه رجل أرسلوا لسانه وقلبه إلى أوربا، فرجع بلسانه، وترك قلبه هناك في خرائب روما)([5]).

وقال عنه الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله: (طه حسين الذي تشهد به كتبُهُ بأنه لم يكن إلا بُوقًا من أبواق الغرب، وواحدًا من عملائه الذين أقامهم على حراسة السجن الكبير؛ يروِّج لثقافاته، ويعظمها، ويؤلف قلوب العبيد ليجمعهم على عبادة جلَّاديه)([6]).

وقال الأديب الدكتور زكي مبارك: (هذا الرجل لم يكن في جميع أدوار حياته العلمية إلا مرتزقًا، يتلمس فتات العلماء كلما نصَبوا موائدهم، أو أوقدوا نارهم، ولم يستطع حتى اليوم أن يواجهَ تلاميذه ببحث أصيل، يُشعِرهم بأنه من أهل الفكر والبيان…أسارع فأقرر بأن طه حسين لم يكن يومًا من المفكرين، وإنما هو أديب قليلُ الاطلاع، نشأ في أوقات لم يكن يعرف الناس فيها غير المجلات السياسية، وكان النقد فيها قليلًا، فتظاهَرَ بالعلم؛ فظنَّه القرَّاء من العلماء)([7]).

المطلب الثاني: التعريف بكتابه “في الشعر الجاهلي”:

أصدر طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي” عام 1926م، وقد بنى دراسته فيه على منهج ديكارت (الشك)؛ كما وضَّح ذلك في مقدمة كتابه، فقال: (أريد أن أقول: إني سأسلك في هذا النحو من البحث مسلك المحدَثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما يتناولون من العلم والفلسفة، أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدَثه “ديكارت” للبحث عن حقائق الأشياء… والناس جميعًا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرَّدَ الباحثُ من كل شيء كان يعلمه من قبلُ، وأن يستقبل موضوع بحثه خاليَ الذهن مما قيل فيه خلوًّا تامًّا)([8]).

وبناءً على ما اختاره من منهج لكتابه، فقد أكثر طه من استعمال عبارات التشكيك وصيغ التمريض فيه؛ كقول: (رُوي)، و(يُذكَر)، و(يُنسَب)، و(نحن نرجِّح)، و(نحن نعتقد)، و(يجب أن نحتاط)، و(ما الذي يمنع؟)، بزعمه أنه يصل بهذا الشك إلى الحقيقة.

ومما هو جدير بالذكر- أيضًا- : أن طه حسين لم يصلِّ على النبيِّ r ولا مرة واحدة في كتابه “في الشعر الجاهلي”، وكان يكرِّر في كتبه أن القرآن من الأساطير([9])، ولم يكن يُتبِعُ كلمة القرآنِ بالكريم، والحديثِ بالشريف، وما إلى ذلك، شأنه في ذلك شأن من لا تربطه بهذه الأسماء أدنى رابطة دِينية([10]).

 

المبحث الأول: موقف طه حسين من نبوة النبي محمد ﷺ، وفيه خمسة مطالب:

المطلب الأول: الزعم بأن النبي r لم يؤمن به ويتبعه إلا عامة الناس الذين كان يتألَّفُهم بالمال:

قال طه في كتابه “في الشعر الجاهلي”: (الأمة العربية… كانت كغيرها من الأمم القديمة، فيها الممتازون المستنيرون الذين كان النبي يجادلهم ويجاهدهم، وفيها العامة الذين لم يكن لهم حظ من استنارة أو امتياز، والذين كانوا موضوعَ النزاع بين النبي وخصومه، والذين كان النبي يتألَّفهم بالمال أحيانًا)([11]).

قسم طه- هنا- الأمة الذين بُعِث إليهم النبي محمد r إلى قسمين:

القسم الأول: هم المستنيرون الممتازون، الذين جعلهم في مقابل محمد r، يجادلهم ويجاهدهم.

القسم الثاني: الطائفة التي كانت بينهما، وهم العامة الذين لم يكن لهم حظ من الاستنارة والامتياز، والذين كان النبي عليه الصلاة والسلام، والجهة المقابلة- وهم المستنيرون- في نزاع عليها؛ فمرة يَغلِبهم عليها فيأخذهم إلى الإسلام، ومرة يَغلِبونه فيضعونهم في حزبهم.

فيرى طه حسين أن العامة لم يكن النبي r يستطيع استمالتهم وإدخالهم في دِينه وقيادتهم إلا بالمال؛ وهذا ما قدر به على استمالتهم، وتأليف قلوبهم.

كما أنه يشير إلى أن النبي- عليه الصلاة والسلام- لم يتألف أحدًا بالمال سوى العامة، بينما نجد في تاريخ ذلك العهد أن النبي r كان يتألف الطبقة الذين سماهم بالمستنيرين وأصحاب الامتياز بالمال؛ ففي البخاري: بعث علي t إلى النبي r بذُهَيبٍة، فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، وعلقمة بن عُلَاثةَ العامري- وهؤلاء هم عِلْية قومهم- فغضبت قريشٌ والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدَعُنا! قال: «إنَّما أتألَّفُهم»([12]).

ولم يقل أحد من أهل العلم: إن التأليف بالمال كان لطبقة العامة، الذين لم يكن النبي r يجاهدهم ويجادلهم([13]).

وفي هذا النص إشارة إلى شبهة ومقولة قالها أوائل المشركين إلى نبي الله نوح لما بعث إليهم: إنه لم يستطع أن يقنع أحدًا أن يؤمن به ويتبعه سوى العامة والضعفاء، الذين- كما وصفهم- ليس لهم حظ من استنارة أو امتياز؛ فحكى الله قولَهم له في كتابه؛ كما جاء في سورة هود: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27].

أي: ما نراك اتَّبَعك إلا أراذِلنا- كالباعة، والحاكةِ، وأشباههم- ولم يتبعك الأشراف، ولا الرؤساء، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترَوٍّ منهم، ولا فكرة، ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتَهم أجابوك فاتبعوك؛ ولهذا قال: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ}؛ أي: في أول بادئ الرأي([14]).

المطلب الثاني: دعوى أن النبي ﷺ توفي ولم يضَعْ دستورًا لهذه الأمة:

يقول طه عن رسول الله r: (وألقى الرمادَ على هذه النار التي كانت متأجِّجة بين قريش والأنصار، وأصبح الناس جميعًا في ظاهر الأمر إخوانًا مؤتلفين في الدِّين، ولعل النبي لو عُمِّرَ بعد فتح مكة زمنًا طويلًا، لاستطاع أن يمحو تلك الضغائن، وأن يوجِّهَ نفوس العرب وجهة أخرى، ولكنه توفي بعد الفتح بقليل، ولم يضع قاعدة للخلافة، ولا دستورًا لهذه الأمة التي جمعها بعد فُرْقة)([15]).

نجد في هذا النص أن طه حسين يحاول أن يثبت أن الرسول r لم يُكمِل الدِّين، ولم يُتِمَّ بلاغه لأمته، حيث وافاه الموت قبل أن يضع قواعد لهذه الأمة في الخلافة وغيرها، وكأنه في كلامه هذا يستهين برسالة محمد r، وعناية الله به في تبليغه؛ فأين هو عن شهادة الله له في كتابه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3]؟!

وشهادة أمته له في أعظم المحافل، وهي خطبة حجة الوداع، وكان بين نحو أربعين ألفًا من أصحابه؛ كما روى ذلك أبو بَكْرة t، فقال: خطبَنا النبي r يوم النحر، قال: «أتدرون أيُّ يوم هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يومَ النحر؟»، قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس ذو الحجة؟»، قلنا: بلى، قال «أي بلد هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليست بالبلدة الحرام؟»، قلنا: بلى، قال: «فإن دماءَكم وأموالكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقَوْنَ ربكم، ألا هل بلَّغتُ؟»، قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ؛ فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض»([16]).

فنجد أن رسول الله r سأل المؤمنين، فلم يقم أحد منهم ويقُلْ له: من تخلِّفُ علينا بعدك؟ بل أجابوه بأنه قد بلَّغ، وأشهد اللهَ عليهم، فلم يفارقهم حتى وضح لهم الطريق، واستبان الحق من الباطل.

كما أننا لا نسلِّم له في قوله: إن بين الصحابة ومَن آمن به واتبَعَه ضغائنَ؛ كما يقول؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاته r وخلافة أبي بكر عليهم لم ينكر ذلك منهم أحد، ولا قال أحد من الصحابة: إن غيرَ أبي بكر من المهاجرين أحقُّ بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار؛ طمعًا في أن يكون من الأنصار أمير، ومن المهاجرين أمير؛ وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي r بطلانُهُ، ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر، إلا سعدَ بن عبادة؛ لكونه هو الذي كان يطلب الولاية، ولم يقل أحد من الصحابة قط: إن النبي r نص على غير أبي بكر، لا علي، ولا العباس، ولا غيرهما([17]).

وهذا ابن عمر رضي الله عنهما يحكي إجماع الصحابة على أنهم يخيِّرون ويقدِّمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان y، فيقول: «كنا نخيِّر بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخيِّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم»([18])، ولم يكن ذلك إجماعًا منهم إلا عن مستنَد واضح من نص النبي r، وتقديمه لهم، وترتيبهم في الفضل.

فكيف يزعم طه بعد ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يضع قاعدة للخلافة، ولم يمحُ الضغائن، ويؤلِّفِ القلوب؟!

المطلب الثالث: التشكيك في اصطفاء النبي ﷺ وكرم نسبه:

يقول طه: (ونوع آخر من تأثير الدِّين في انتحال الشِّعر وإضافته إلى الجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش.

فلأمرٍ ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوةَ بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قُصي، وأن يكون قُصي صفوة قريش)([19]).

هنا أخذ طه يشكِّك في اصطفاء النبي r بشرف أصله وكرم نسبه، وكأن الأمر اقتناع من الناس مصادفة، أو نحوه، دون سابقة اختيار من الله تعالى، جاء تأكيده عنه عليه الصلاة والسلام فيما صح عند مسلم؛ أنه قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».

و”اصطفى” في اللغة بمعنى اختار؛ أي: جعَلَهم صفوة خلقه([20])، ثم يجيء طه يريد أن يشكك في كل هذه الحقيقة لينسفها، ويبين أن النبي r لم يكن إلا رجلًا عاديًّا، ولم يمهِّد الله عز وجل لبعثته ونبوته بأمور كانت هذه إحداها.

المطلب الرابع: الزعم أن النبي ﷺ رجل طامح للسلطة السياسية والاقتصادية:

قال طه: (نستطيع أن نسجِّل مطمئنين أن هذه الهجرة قد وضعت مسألة الخلاف بين النبي وقريش وضعًا جديدًا، جعلت الخلاف سياسيًّا، يعتمد في حَلِّهِ على القوة والسيف بعد أن كان من قبلُ دينيًّا يعتمد على الجدال والنضال بالحجة ليس غير.

منذ هاجر النبي إلى المدينة تكونت للإسلام وحدة سياسية، لها قوتها المادية، وبأسها الشديد، وأحست قريش أن الأمر قد تجاوز الأوثان والآراء الموروثة والسنن القديمة، إلى شيء آخر، كان فيما يظهر أعظم خطرًا في نفوس قريش من الدِّين وما يتصل به؛ وهو السيادة السياسية في الحجاز، والطرق التجارية بين مكة والبلاد التي كانت ترحل إليها بتجارتها في الشتاء والصيف، وأنت تعلم أن الاستيلاء على العِير هو أصل الوقعة الكبرى الأولى بين النبي وقريش في بدر.

فليس من شك إذن في أن الجهاد بين النبي وقريش كان دينيًّا خالصًا ما أقام النبي في مكة، فلما انتقل إلى المدينة، أصبح هذا الجهاد دينيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصورًا على أن الإسلام حق أو غير حق، بل هو يتناول مع ذلك الأمة العربية أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن، والطرق التجارية لمن تخضع، وعلى هذا النحو وحده تستطيع أن تفهم سيرة النبي منذ أن هاجر إلى المدينة لا مع قريش وحدها، بل مع غيرها من العرب، بل مع اليهود أيضًا)([21]).

يزعم هنا طه أن النبي r وأصحابه- رضوان الله عليهم- إنما كان قتالهم وجهادهم لكفار قريش لأسباب مادية واقتصادية بحتة، لا لأسباب دِينية، ثم استشهد على ذلك بغزوة بدر، وأنها لم تكن إلا للسيطرة على العِير، وسلب الأموال فقط، وأن هذا هو الباعث الوحيد لخروج النبي r وأصحابه إليها من المدينة.

وجواب دعواه هذه: هو بما سبق غزوة بدر من استضعاف للمسلمين في مكة، والتسلط عليهم من قِبل صناديد كفار قريش حتى فروا بدِينهم تاركين أموالهم وأمتعتهم في مكة، فلما وصلوا المدينة، أنزل الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ…} [الحج: 39- 40].

فأعلن النبي r وصحابته حينها الحرب على قريش؛ ردًّا لحقوق المسلمين المسلوبة في مكة، وكسرًا لشوكة المشركين، وكان من وسائل هذه الحرب: الحرب الاقتصادية، ومهاجمة قوافلِ مكة التجارية التي تمر إلى الشام، وقد أَجْدَتْ هذه الوسيلة وبلغت ثمرتها حين ضاقت بقريش الحال، حتى قال صفوان بن أمية: إن محمدًّا وأصحابه قد عوَّرُوا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه؟ لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك، وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا ونحن في دارنا هذه، ما لنا بها نَفاق([22]).

ومما ينسف هذه الشبهة وينقضها من أصلها: ما كان كفار قريش يَعرِضونه على النبي r في أول بعثته- بمكة- لما فاوضوه مقابل تركه دعوتَهُ لهم، وقالوا له: (إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا، سوَّدْناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد مُلْكًا، ملَّكْناك علينا)([23])، فما قَبِلَ تلك العروض منهم، بل ثبت على دعوته مع ضِيق عيشه، وكان حاله كما قال عليه الصلاة والسلام: (والله، لو وضعوا الشمسَ في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أَهلِكَ فيه: ما تركته)([24])، ولو كان رجلًا طامحًا للسلطة- كما يزعم طه وغيره- لقَبِلَ منهم في أول أمره.

المطلب الخامس: التشكيك في ورود البِشارة ببعثة النبي ﷺ في التوراة والإنجيل:

ويقول طه في كتابه: (فالقرآن يحدثنا بأن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

وإذن فيجب أن تُخترَع القِصص والأساطير وما يتصل بها من الشِّعر ليثبت أن المخلِصين من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعون بعثة النبي، ويدعون الناس إلى الإيمان به حتى قبل أن يُظِلَّ الناسَ زمانُه).

وكأن طه هنا يشكك فيما أخبرنا به الوحي من أن البشارة ببعثة النبي r كانت موجودة في التوراة والإنجيل، وما جاء في الآية عن تبشير عيسى عليه السلام به: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]، وكأن النص القرآني يحتاج مؤكدًا ومصدقًا على ما يقول؛ فتَمَّ لذلك اختراع القصص والأساطير.

وإننا نجد أن اليهود والنصارى في الجزيرة العربية قد قُرِئَ عليهم القرآن الكريم، وفيه: {النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف:157]، وأقر بذلك كثير من علمائهم وأحبارهم، منهم من دخل في الإسلام؛ كعبد الله بن سلَام t، ومنهم من كابَرَ وعاند، مع أن الله تعالى أخبرنا أن معرفتهم بأنه الحق أعظمُ من معرفتهم أبناءهم، لكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون.

وقد احتج الله على كفار قريش بمعرفة أهل الكتاب لهذا الحق؛ فقال: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197)} [الشعراء: 192- 197].

كما أن ذلك من دلائل نبوته ونبوة الأنبياء قبله: أن يأتي النبيُّ مصدِّقًا لما قبله، ومبشِّرًا بمن بعده؛ كما جاء الخبر عن عيسى عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6]؛ أي: من دلائل نبوتي وصدقي كوني {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ}؛ أي: جئتُ موافقًا لِما جاء به موسى من التوراة والشرائع السماوية، ولو كنت مدعيًا للنبوة، لجئتُ بغير ما جاء به المرسَلون، ومصدقًا لما بين يدي من التوراة أيضًا؛ أنها أخبَرتْ بي وبشَّرتْ، فجئت وبعثت مصداقًا لها: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}، وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي.

وهذا أحد أعلام النبوة ودلائلها؛ أن يصدِّق بالنبي السابق، ويبشِّر بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين؛ فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي([25])([26]).

ويقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله في ردِّهِ على مقولة طه السابقة: (ينكر المؤلف كل ما يُروَى من الشِّعر والأخبار الممهِّدة للبعثة النبوية، وإنكارها على هذا الوجه إنما تسمعه ممن ربط قلبه على نفي النبوة؛ إذ ليس من المحتمل عنده أن يقال فيها شِعر، أو يرد عنها خبر قبل أن يدعيها صاحبها، أما الذين يعتقدون بأن نبوةَ أفضلِ الخلق حق، فمن الجائز عندهم أن يسبقها شِعر أو خبر يتصل بها…)([27]).

المبحث الثاني: موقفه من الوحي وما جاء به النبي محمدﷺ

المطلب الأول: محاولة إزالة القداسة عن نصوص القرآن الكريم، وادعاء بشَريَّته، وأن مصدره قصص اليهود والنصارى:

إذ يقول في كتابه: (ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن الكريم قد تأثَّر بشعر أمية بن أبي الصلت، أو لا يكون،؛ فأنا لا أؤرخ القرآن، وأنا لا أذُودُ عنه، ولا أتعرض للوحي وما يتصل به، ولا للصلة بين القرآن وما كان يتحدث به اليهود والنصارى، كل ذلك لا يعنيني الآن، وإنما الذي يعنيني هو شِعر أمية بن أبي الصلت وأمثاله من الشعراء)([28]) إلى أن يقول: (لِمَ لا يكون أمية بن أبي الصلت قد أخذ من النبي، طالما أن مصادر أمية ومحمد واحدة، وهي قصص اليهود والنصارى؟!)([29]).

فهو في هذا السياق- بزعمه- يحاول أن يردَّ على تهمة تأثر القرآن بشِعر أمية بن الصلت، ثم ما لَبِثَ أن ادعى أن سر هذا التأثر هو كون مصدرهما واحدًا، وهذا المصدر مصدر بشَري؛ وهو قصص اليهود والنصارى.

ونقول: كيف تعلَّم الرسول r هذه القصص التي كانت- كما يزعم طه- مصدر القرآن الكريم؟!

لا يخلو ذلك- إن كان- من حالين: إما عن طريق قراءة كتبهم؛ فمن المعلوم أن النبي r رجل أمِّيٌّ، لا يقرأ ولا يكتب! فكيف له أن يقرأ التوراة والإنجيل ويتأثر بها وهو أمِّيٌّ؛ كما قال تعالى مفنِّدًا هذه الشبهة: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]؟!

وإما أن يكون ذلك التعليم مباشرة من اليهود والنصارى؛ فليس في روايات السيرة صحيحها وضعيفها ما يدل على أن النبي r خرج من مكة، أو التقى باليهود والنصارى، إلا ما رُوِيَ عن خروجه مع عمه في صغره إلى الشام مرة، وسفره في تجارة خديجة رضي الله عنها مرة أخرى([30])، وسفر التجارة هذا لا يكون إلا أيامًا معدودة! انصرف فيها إلى تجارته، فلا يمكن القول: إنه r تعلَّم خلالها قراءة التوراة، أو الإنجيل، أو دراسة هاتين الديانتين.

ثم إن قومه المعادين له، الذين هم من أحرص الناس على القدح في نبوته، وأعلم الناس بحاله، لو علموا أنه قد تعلَّم ذلك من بشَرٍ: لطعنوا عليه بذلك، وأظهروه، وكذلك الحال مع أهل الكتاب، فلو علموا أنه قد تعلم ذلك منهم، لأظهروا ذلك، وتفاخروا به، ونسبوا هذا القرآن إليهم.

ولكن الواقع أن قومه- الذين كانوا معادِينَ له غاية العداوة، وكانوا يطلبون القدح في نبوته بكل طريق- يعلمون أنه لم يكن عندهم بشَرٌ يعلِّمه مثل هذا، وأنه لم يكن في قومه ولا بلده من يعرف هذا.

وكذلك عَلِمَ الناس ما عَلِمَهُ قومه؛ أن هذا إنما هو وحي أنبأه به الله، وكان ذلك من أعلامه، وآياته، وبراهينه، وأنه حين أخبر قومه بهذا- مع تكذيبهم وفَرْطِ عداوتهم له- لم يمكن أحدًا منهم أن يقول له: بل فينا مَن كان يعلم ذلك، وأنت كنت تعلم ذلك، وقد تعلمته منا، أو من غيرنا، فكان إقرارهم بعدم عِلمه وعلمهم، ومع فَرْطِ عداوتهم له: آية بينة لجميع الأمم أنه لم يكن هو ولا هم يعلمون ذلك من قبل([31]).

ولما احتار كفار قريش في حاله، بدؤوا في إطلاق الشُّبَه والافتراء عليه مكابَرةً منهم عن الحق، وقد حكى الله ذلك عنهم بقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 4، 5]، ثم أجابهم على افترائهم بقوله: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفرقان: 6]؛ أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأوَّلين والآخرين إخبارًا حقًّا صدقًا مطابقًا للواقع في الخارج، ماضيًا ومستقبلًا([32])، فلا يمكن أن تكون هذه الأخبار الصادقة المحكَمة عند أحد من اليهود أو النصارى، بل هي منزَّلة من عند الله علَّام الغيوب.

أما ما ورد في القرآن موافِقًا لما بقي من التوراة والإنجيل، فإننا نعُدُّ موافقته وتصديقه لما فيهما: شهادةً له، تقرِّرُ أنه منزل من عند الله؛ كما أنزلت التوراة والإنجيل من قبلُ، وليس شبهة توجه ضده، كما فعل طه.

وقد أخبرنا الله في القرآن عن هذه الموافقة، وأنه قد جعل القرآن مصدقًا لِما قبله من التوراة والإنجيل؛ فقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام:92].

المطلب الثاني: التكذيب بآيات القرآن، وادِّعاء وجود الأساطير فيه:

قال طه في كتابه: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة)، ثم أضاف: (فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دِينية وثنية، وهي بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجِدَ في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة، وإذا كان هذا حقًّا، ونحن نعتقد أنه حق: فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تحدثت عنها الأساطير، وإذن فليس ما يمنع قريشًا من أن تتقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما ذلك لأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإيناس بن يريام صاحب طروادة).

وهذا الذي قاله طه حسين هنا هو مقالة كفار قريش قبله: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5]؛ فـ “طه” هنا يكذِّب بنبوة إبراهيم وإسماعيل، ويكذب بالآيات الواردة فيهما، وما قصَّه الله عن خبر هجرتهما إلى مكة؛ كقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127]، وقوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26]، وقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [ابراهيم: 35]… إلى غير ذلك من الآيات الكريمات التي ينكرها طه، ويزعم أنها من الأساطير التي قَبِلها الناس دون أساس لها من الصحة.

ثم في قوله: إنه مضطر إلى أن يقول: إن قصةَ إبراهيم حيلة، فنقول له: حيلة من؟ فإن قال: إنها حيلة محمد r، فهو بهذا يرى أن القرآن مِن وَضْعه؛ أي: النبي r، وإن قال كما يقول المسلمون: إن القرآن كلام الله، فهذه أكبرُ من أختها، أيكون الله (محتالًا)، تعالى الله عما يقول علوًّا كبيرًا؟!

ففي هذه الجملة يهدم كثيرًا من الأصول العقدية؛ إذ إن قوله هذا يستلزم: أن القرآن ليس كله صحيحًا… بل فيه أساطير، وأن القرآن مصدر غير موثوق علميًّا، وأن مصدره بشري؛ فهو مِن وضع محمد عليه الصلاة والسلام([33])، وفيه أيضًا إنكارٌ لنبوة أبي الأنبياء إبراهيمَ عليه السلام وابنِه، وغير ذلك من اللوازم.

المطلب الثالث: في جعله القرآن كالمرجع التاريخي، وأن ما فيه من إخبار بأحداث الواقع إنما هو عناية سياسية:

عقد طه الفصل الثالث من كتابه بعنوان: (مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن، لا في الشِّعر الجاهلي): زعم فيه اكتشافه طريقًا جديدًا لالتماس صورة الحياة الجاهلية، لا في الشعر الجاهلي، إنما في القرآن؛ حيث إن القرآن بزعمه: (أصدق مرآة للحياة الجاهلية)([34])، ثم أخذ يضرب لذلك أمثلة، حتى ختم هذا الفصل بتأكيده وقوله: (أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشِّعر العقيم الذي يسمونه الشعر الجاهلي؟ أرأيت أن هذا النحو من البحث يغير كل التغيير ما تعوَّدْنا أن نعرف من أمر الجاهليين؟!)([35]).

ومعنى هذا القول- كما يريد المؤلف أن يفهم قارئه- : أن القرآن إنما هو انطباع للحياة القائمة في وقت صاحبه ومؤلفه، وهو النبي r، الذي يحكي فيه ما حوله من العادات والتقاليد، وطباع العرب في الجزيرة العربية، فليس وحيًا منزلًا، وليس له مصدر إلهي، بل هو من تأليف محمد عليه الصلاة والسلام، وألَّفه متأثرًا بالظروف المحيطة به، سواء في مكة أو في المدينة([36]).

ومن الأمثلة التي جاء بها طه مؤكدًا هذا الاكتشاف: قوله: (لم يكن العرب إذن- كما يظن أصحاب هذا الشِّعر الجاهلي- معتزلين! فأنت ترى أن القرآن يصف عنايته بسياسة الفُرْس والروم: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} [الروم: 1- 5]).

فهذا الذي ذكره القرآن في “سورة الروم”، يراه المؤلف “عناية سياسية”، أكثر منه إخبارًا من الله تعالى لنبيه بأمر من أمور الغيب، عن طريق الوحي الذي وصفه سبحانه بقوله: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النحل: 6 ]!

وهذا الخبر- الذي في أول سورة الروم- من الغيب الذي لا يطَّلِعُ عليه إلا اللهُ علَّام الغيوب، أو من أطلَعَهُ عليه من أنبيائه؛ وذلك ليكون دَلالة على صدقهم، وصدق رسالتهم.

ويؤكد ذلك: ما ذكره علماء التفسير في تفسيرهم لهذه الآيات؛ قال السعدي رحمه الله: (لما نزلت هذه الآيات التي فيها هذا الوعد، صدَّق بها المسلمون، وكفَر بها المشركون، حتى تراهن بعض المسلمين وبعض المشركين على مدة سنين عيَّنُوها، فلما جاء الأجل الذي ضربه الله، انتصر الروم على الفُرْس، وأجلَوْهم من بلادهم التي أخذوها منهم، وتحقق وعد الله!

وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها الله قبل وقوعها، ووُجِدت في زمان مَن أخبرهم الله بها من المسلمين والمشركين، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} أن ما وعد الله به حق؛ فلذلك يوجد فريق منهم يكذبون بوعد الله، ويكذبون آياته)([37]).

المطلب الرابع: في زعمه أن قيمة القرآن إنما اكتسبها لمَّا هاجَمَ أصحاب العقائد المخالِفة في الجزيرة العربية:

يقول: (وفي القرآن رد على الوثنيين فيما كانوا يعتقدونه من الوثنية، وفيه رد على اليهود، وفيه رد على النصارى، وفيه رد على الصابئة والمجوس، وهو لا يرد على يهود فلسطين، ولا على نصارى الروم، ومجوس الفُرْس، وصابئة الجزيرة وحدهم؛ وإنما يرد على فِرَقٍ من العرب كانت تمثلهم في البلاد العربية نفسها، ولولا ذلك، لما كانت له قيمة ولا خطر، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيَّدوه، وضحَّوْا في سبيل تأييده ومعارضته بالأموال والحياة!).

احتوى هذا النص الذي دوَّنه طه في كتابه عدة ضلالات وشُبَهٍ:

الأولى: زعمه أن القرآن الكريم لم يكتسب قيمته إلا يوم أن تعرَّض للمِلَل والفِرَق المخالفة له، ولو أنه لم يردَّ عليها، أو يُبطِل شيئًا من اعتقاداتها: لما حفل به أحد، ولما آمن به أحد، ولم يكن ذا قيمة في نفوس هؤلاء المؤمنين به!

وهذا من السفَهِ والانهزام؛ فإن القرآن وصفه الله تعالى لرسوله بقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْـمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]؛ فهو عظيم بقائله سبحانه، عظيم بذاته، عظيم بمعانيه وألفاظه، عظيم بأخباره وأحكامه، وبأوامره ونواهيه.

وقد شهد بذلك خصومُهُ قبل أتباعه؛ فحين قرأ النبي r على الوليد بن المغيرة بعض آياته، ما لبث أن قال لقومه: والله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجَزٍ ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمِر أعلاه، مغدِق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليَحطِم ما تحته([38]).

الشبهة الثانية: حين ادَّعى أن هذا القرآن إنما عُنِيَ بأهل الجزيرة العربية، وما فيه من عقائد لا يمثل إلا عقائد تلك البيئة؛ فحديثه عن النصرانية- مثلًا- : هو حديث عن نصرانية العرب، دون نصرانية السريان، فضلًا عن نصرانية القسطنطينية، ونصرانية مصر، أو نصرانية روما!([39]).

وهذا مخالِف للآيات المؤكدة على عموم النِّذارة بهذا القرآن؛ كقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]، وقوله: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 86- 88].

ولعل دعوى طه هنا مبنيَّةٌ على فكرته في بشرية القرآن، وأنه نتاج محلِّيٌّ في مكة أو المدينة، ألَّفه النبي r متأثرًا بما حوله من بيئة وعقائد؛ إذ هو أفضل مرآة لها!

المطلب الخامس: زعم أن الدِّين والإيمان تتلقاه العواطف، وأن الوحيَ يخاطبها ولا يخاطب العقول:

قال طه حسين: (والقرآن يحدثنا عن جَفوة الأعراب وغلظتهم، وإمعانهم في الكفر والنفاق، وقلة حظِّهم من العاطفة الرقيقة التي تحمل على الإيمان والتديُّن، أليس هو الذي يقول: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [التوبة: 97]؟! أليس قد شُرِعَ للنبي أن يتألَّفَ قلوب الأعراب بالمال؟!)([40]).

هنا يوضح طه الفكرة التي- بزعمه- يقرِّرها القرآن الكريم في آياته؛ وهي أن الإيمان والتديُّن هو حظ أصحاب العواطف الرقيقة، وأن الوحي إنما يخاطب هذه العاطفة، وقد يستمِيلُها بالمال أحيانًا، فتُقبِل به، وتُذعِن له، وكأن العقول لا نصيبَ لها من الإيمان والقَبول، وأن الوحي بما فيه بمنأًى عنها.

والحقيقة أننا نجد القرآن يخالف هذه الفكرة المزعومة؛ فإن الله U يخاطب عقولنا، ويحثنا على التفكُّر، والتعقل، والتدبر، وأن هذا العقل الصحيح لا يدل بتدبُّره وتفكُّره إلا على الدِّين القويم، والإيمان بالعقيدة الصحيحة، ونجد في مواضع كثيرة أن القرآن يخاطب أصحاب العقول، ويحضُّهم على التدبُّر والتفكر، وأنه لا يهتدي لدِينه القيِّم إلا أولو الألباب، والعقول النيرة؛ كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [29: ص]، وقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [190: آل عمران]، وقال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [18: الزمر]، وقد ذمَّ اللهُ من عطَّل عقله؛ فقال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [22: الأنفال ]، وبيَّن أنما ضلَّ عنه من ضلَّ، وكفر به من كفر: لأنه لم يَعقِلْ ولم يتدبر؛ قال سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } [البقرة : 170- 171].

وقد أعلى القرآن من قيمة العلم والعلماء؛ فقال سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، وقال سبحانه: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت:3 ]، وبيَّن أن مَن عارضه بشيء إنما هو لجهله وقلة علمه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج: 8].

الخاتمة:

وبعد أن منَّ الله عليَّ بإنهاء هذا البحث، فإني ألخص أبرز نتائجه، وأهمها فيما يلي:

  • اتسم منهج طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي” بمنهج الشك، وإثارة الشُّبَه حول الثوابت والمسلَّمات.
  • أن النبي r في فِكر طه حسين لم يكن إلا رجلًا عاديًّا، يطمح للسلطة السياسية والاقتصادية؛ فلا اصطفاء، ولا نبوة، ولا رسالة في الحقيقة.
  • صفة أتباع هذا النبي- عليه الصلاة والسلام- في كتابات طه: أنهم أصحاب العواطف الرقيقة، الذين لم يكن لهم حظ من استنارة أو عقل؛ ولذلك شُرِعَ له استمالتُهم بالمال أحيانًا لتصديقه واتباعه.
  • أما مصدر القرآن الكريم: فهو عند طه مِن وَضْعِ مَن جاء به؛ وهو النبي r، وقد تأثر في وَضْعِهِ بمؤثرات البيئة حوله؛ فليس بوحي ولا تنزيل من الله، ولا معجِز!
  • أن النص القرآني في كتابات طه حسين: محدود القيمة، محدود الزمان والمكان.
  • موافَقة شُبَهِ طه حسين حول نبوة النبي r وما جاء به من الوحي لآراء كفار قريش قبله، وقد تولى القرآن الكريم الردَّ عليه وعلى أمثاله منذ أكثر من 1400 سنة.
  • وجوب التركيز على كتابات الأدباء وعرضها على الكتاب والسُّنة، ثم رد المخالِف منها، والتحذير منه، وبيان خطره.

هذا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

قائمة المصادر  والمراجع:

  • الأعلام، لخير الدين بن محمود الزِّرِكلي، دار العلم للملايين، ط: الخامسة عشرة، 2002م.
  • الأدب العربي المعاصر في مصر، أحمد شوقي عبد السلام ضيف، دار المعارف، ط: الثالثة عشرة.
  • الأيام، طه حسين، مركز الأهرام للترجمة والنشر- القاهرة، ط: الأولى، 1412ه.
  • مذكرات طه حسين، دار الآداب- بيروت.
  • تحت راية القرآن، مصطفى الرافعي، المكتبة العصرية- بيروت، ط: الأولى، 1423هـ.
  • أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، سيد العفاني، دار ماجد عسيري- جدة.
  • طه حسين في ميزان العلماء والأدباء، محمد الاستنبولي، المكتب الإسلامي- بيروت، ط: الأولى، 1403هـ.
  • في الشِّعر الجاهلي، طه حسين، دار المعارف- تونس.
  • المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها، غالب بن علي عواجي، المكتبة العصرية الذهبية- جدة، ط: الأولى، 1427هـ.
  • أشهر الردود على كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، دراسة نقدية تحليلية، نجوى بناني، جامعة أم القرى، 1426هـ.
  • نقض كتاب “في الشعر الجاهلي”، محمد الخضر حسين، المكتبة الأزهرية للتراث- القاهرة.
  • تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط: الثانية، 1420هـ.
  • الجامع المسنَد الصحيح المختصر من أمور رسول الله r وسُنَنه وأيامه: لمحمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمـد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة، ط: الأولى، 1422هـ.
  • منهاج السُّنة النبوية، لأبي العباس ابن تيمية الحراني، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط: الأولى، 1406 هـ.
  • كشف المشكل من حديث الصحيحين، لأبي الفرج بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: علي حسين البواب، دار الوطن- الرياض.
  • المغازي، لأبي عبد الله الواقدي، تحقيق: مارسدن جونس، الناشر: دار الأعلمي- بيروت، ط: الثالثة، 1409هـ.
  • أخلاقيات الحرب في ضوء السيرة النبوية، سيف النصر على عيسى الطرفاوي، دار اللؤلؤة للنشر والتوزيع.
  • السيرة النبوية: لعبد الملك بن هشام الحميري، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي- مصر، ط: الثانية، 1375هـ.
  • تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: لعبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى، 1420هـ.
  • النبوات، لتقي الدين أبي العباس ابن تيمية، تحقيق: عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف- الرياض، ط: الأولى، 1420هـ.
  • الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: لتقي الدين أبي العباس ابن تيمية، تحقيق: علي بن حسن وعبد العزيز بن إبراهيم وحمدان بن محمـد، دار العاصمة- السعودية، ط: الثانية، 1419هـ، (5- 152 و154).
  • الاتجاهات العقلانية الحديثة، ناصر العقل، دار الفضيلة- الرياض، ط: الأولى- 1422هـ.
  • الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، محمد البهي، مكتبة وهبة- القاهرة، ط: الرابعة.
  • المستدرَك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية- بيروت، ط: الأولى، 1411.

 

 

 

 

 

The position of Taha Hussein towards the Prophecy of Prophet Mohammad – peace and blessings upon Him – and the revelation in his book named “Pre- Islamic Poetry”.

Abstract: The idea of the study: That to infer the position of Taha Hussein towards the Prophecy of Prophet Mohammad – peace and blessings upon Him – and revelation which has been brought, through the presentation of his statements and views about these two matters contained his book “Pre- Islamic Poetry” and discuss this under the light of the Islamic Faith and the methodology of Al Sunnah and Al Jama’a

The study findings:

1- The approach of Taha Hussein in his book “Pre- Islamic Poetry” was characterized by the method of suspicion, raising similarities and exciting suspicion about the constants and undeniable issues.

2- In the conception of Taha Hussein; that Prophet – peace and blessings upon Him – is only an ordinary man, aspiring to have political authority and economic power, in fact, there is no prophecy and there He has no message.

3- Taha Hussein considers the source of Holey Quran has been made by the Prophet – peace and blessings upon Him – as He has been influenced by the environment affects around, it is not a revelation and ALLAH has not reveal the Holey Quran and not deemed to be a miracle.

4- The provision of the Holy Quran in the written material of Taha Hussein has a limited value, time and space.

Keywords: doctrine- revelation- Prophecy- Taha Hussein- stochastic deviations.

 

 

 

([1]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر، وعلامة الساعة، ح (8) .

([2]) ينظر: الأعلام، لخير الدين بن محمود الزركلي، دار العلم للملايين، ط15، 2002م، (3/ 231) ، والأدب العربي المعاصر في مصر، أحمد شوقي عبد السلام ضيف، دار المعارف، ط13 (277) .

([3]) ينظر: الأيام، طه حسين، مركز الأهرام للترجمة والنشر/ القاهرة، ط1، 1412ه (309- 315) ، ومذكرات طه حسين، دار الآداب/ بيروت (7- 8) .

([4]) ينظر: الأدب العربي المعاصر في مصر (ص: 284) ، والأعلام للزركلي (3/ 231- 233) .

([5]) تحت راية القرآن، مصطفى الرافعي، المكتبة العصرية/ بيروت، ط1، 1423هـ (126) .

([6]) أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، سيد العفاني، دار ماجد عسيري/ جدة (1/256) .

([7]) طه حسين في ميزان العلماء والأدباء، محمد الإستنبولي، المكتب الإسلامي/ بيروت، ط1، 1403هـ (44) .

([8]) في الشعر الجاهلي، طه حسين، دار المعارف/ تونس (23) .

([9]) المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها، غالب بن علي عواجي، المكتبة العصرية الذهبية/ جدة، ط1، 1427هـ، (471) .

([10]) أشهر الردود على كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، دراسة نقدية تحليلية، نجوى بناني، جامعة أم القرى، 1426هـ، (142) .

([11]) في الشعر الجاهلي (33) .

([12]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله عز وجل: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ}، ح (3342) .

([13]) ينظر: نقض كتاب “في الشعر الجاهلي”، محمد الخضر حسين، المكتبة الأزهرية للتراث/ القاهرة (54- 56) .

([14]) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ (4/316) .

([15]) في الشعر الجاهلي (63- 64) .

([16]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب الخُطْبة أيام منى، ح (1741) .

([17]) ينظر: منهاج السنة النبوية، لأبي العباس ابن تيمية الحراني، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط1، 1406 هـ، (1/ 519) .

([18]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أصحاب النبي r، باب فضل أبي بكر بعد النبي r، ح (3655) .

([19]) في الشعر الجاهلي (84) .

([20]) كشف المشكل من حديث الصحيحينِ، لأبي الفرج بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: علي حسين البواب، دار الوطن/ الرياض (4/ 135) .

([21]) في الشعر الجاهلي (84) .

([22]) المغازي، لأبي عبد الله الواقدي، تحقيق: مارسدن جونس، الناشر: دار الأعلمي/ بيروت، ط3، 1409ه (1/ 197) ، وينظر: أخلاقيات الحرب في ضوء السيرة النبوية، سيف النصر علي عيسى الطرفاوي، دار اللؤلؤة للنشر والتوزيع (342) .

([23]) السيرة النبوية: لعبد الملك بن هشام الحميري، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي/ مصر، ط2، 1375هـ (1/ 293) .

([24]) المرجع السابق (1/ 266) .

([25]) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: لعبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ، (ص: 859) ، والنبوات: لتقي الدين أبي العباس ابن تيمية، تحقيق: عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف/ الرياض، ط1، 1420هـ (2/ 778) .

([26]) ومعلوم بالاتفاق: أن ليس من شرط النبوة أن يكون النبي مبشَّرًا به من قبلُ؛ فالنبوة ثابتة بدون ذلك، ومن الأنبياء من لم يُبشَّرْ به من قبل؛ كـنوح، وإبراهيم، وعامة أنبياء بني إسرائيل؛ إذ كانوا لم يبعثوا بشريعة ناسخة، وإنما قد يُدَّعى هذا فيمن جاء بنسخ شرع من قبله؛ كما جاء المسيح بنسخ بعض أحكام التوراة، وكذلك محمد r، وحينئذ فنقول: إن العلم بنبوة محمد r ونبوة المسيح لا تتوقف على العلم بأن من قبلهما بشَّر بهما، بل طرق العلم بالنبوة متعددة، فإذا عُرِفت نبوته بطريق من الطرق، ثبتت نبوته عند من علم ذلك، وإن لم يعلم أن مَن قبله بشَّر به، لكن يقال: إذا كان الواجب أو الواقع أنه لا بد من إخبار من قبله بمجيئه، وأن الإشعار بنسخ شريعة من قبله واجب أو واقع: صار ذلك شرطًا في النبوة، ومن علم نبوته، علم أن هذا قد وقع، وإن لم ينقل إليه. ينظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: لتقي الدين أبي العباس ابن تيمية، تحقيق: علي بن حسن وعبد العزيز بن إبراهيم وحمدان بن محمـد، دار العاصمة/ السعودية، ط2، 1419هـ، (5/ 152 و154) .

([27]) نقض كتاب “في الشعر الجاهلي” (188) .

([28]) في الشعر الجاهلي (95) .

([29]) المرجع السابق.

([30]) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/ 180- 188) .

([31]) ينظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (5/ 325- 327) .

([32]) تفسير القرآن العظيم (6/ 94) .

([33]) ينظر: الاتجاهات العقلانية الحديثة، ناصر العقل، دار الفضيلة/ الرياض، ط: الأولى، 1422هـ (173) .

([34]) في الشعر الجاهلي (28) .

([35]) في الشعر الجاهلي (34) .

([36]) الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، محمد البهي، مكتبة وهبة/ القاهرة، ط4 (214 وما بعدها) بتصرف واختصار.

([37]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (637) .

([38]) المستدرك على الصحيحين، لأبي عبدالله الحاكم (2/ 550) .

 ([39]) ينظر: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي (187) .

([40]) في الشعر الجاهلي (33) .

==> أرسل بحثك <==