Hasten and Competing in Good Deeds in Light of the Glorious Quran

KHALID MOHAMMED SALIM Al-ABDALI

Faculty of Sharia Sciences || Sultanate of Oman

DOI PDF

This study aims to unveil a Quranic truth, that is, the depiction of prophets, messengers and the pious as they hasten in doing good deeds relentlessly and persistently. They are restless in doing the good deeds and never astray the scope of good deeds. The researcher indicated in his study that the Quran never characterized the pious as they “hasten toward good deeds. This is due to the fact that “hasten in something / compete” differs from “hasten toward something / contest” in the way the latter connotes that the person is out of the scope. Thus, there must be a differentiation between “hasten in” and “hasten toward” as well as between “compete and contest”. This is one of precise particulars and mysteries of the Quran that should be clarified. The researcher used the inductive method of the texts of the Qur’an under discussion. He relied on the analytical method by examining the verses and clarifying their linguistic and legislative inimitability, and shedding the light of the magnificence of the tropes of the Qur’an, as Allah placed every verse in its proper position. Moreover, the location of each word shows the extent of the divine wisdom in it. Through reflecting in the verses of the Qur’an, these facts and particulars are revealed. The researcher based on the critical approach in understanding the references of the verses refer. The most prominent outcome of this study are as follows: 1- The precision of the words “hasten” and “compete” and their position in the Quran which is considered as linguistic inimitability. 2- The Quran stated the phrase “hasten in doing good deeds” rather “hasten toward doing good deeds”. 3- Differentiating between the verbs “hasten and hurry” and between “compete and contest” clarifying the precision of the Quranic phrasing. Keywords: Hasten, compete, good deeds, reflecting. wisdom

المسارعة والمسابقة في الخيرات في ضوء القرآن الكريم

خالد بن محمد بن سالم العبدلي

كلية العلوم الشرعية || سلطنة عُمان

تسعى هـذه الدراسة للكشـف عـن حـقـيقة قرآنيـة وهي وصف الأنبياء والمرسلين والصالحين بأنهم يسارعون في الخيرات، وأنهم مقيمون ودائمون في فعلها، فهم لا ينفكون عنها بأي حال من الأحوال، ولا يبرحون دائرة الخيرات، ولذلك بيّن الباحث في بحثه هذا، أنه لم يأت في ثنايا القرآن في أي موضع وصف المؤمنين الصالحين بأنهم يسارعون إلى الخيرات؛ لأن المسارعة في الشيء تختلف عن المسارعة إلى الشيء، فالمسارعة إلى الشيء تكون لمن هو بعيد عنها وخارج عن دائرتها، ولابد من التفريق بين الفعلين يسارع ويسرع، ويسابق ويسبق، وهذه من الأسرار والدقائق القرآنية التي ينبغي الوقوف عليها، وقد استخدم الباحث المنهج الاستقرائي لنصوص القرآن في الموضوع، واعتمد على المنهج التحليلي باستنطاق الآيات وإيضاح إعجازها البياني والتشريعي، وبيان روعة نظم القرآن الذي وضع الله عز وجل كل آية فيه في موضعها المحكم، وأن موقع كل كلمة منه تبين مدى الحكمة الربانية فيه، وبتدبر آيات القرآن تظهر هذه الحقائق والدقائق، واستند على المنهج النقدي لفهم ما تشير إليه الآيات، ومن أبرز النتائج التي توصلت إليه هذه الدراسة: 1- دقة موضع كلمة (وسارعوا) وكلمة (سابقوا) ومحلهما في القرآن، وهو من الإعجاز البياني. 2- جاء في القرآن الكريم لفظة المسارعة في الخيرات، وليس المسارعة إلى الخيرات. 3- التفريق بين فعلي سارع وأسرع، وسابق وأسبق وبيان دقة التعبير القرآني. الكلمات المفتاحية: المسارعة، المسابقة، الخيرات، التدبر، الحكمة.

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فمن المفاهيم القرآنية التي اهتم القرآن الكريم ببيانها وإيضاحها، المسارعة والمسابقة في الخيرات، فجاءت هذه الكلمات في موضعها الدقيق، وبأسلوب يعطي البعد العميق، من حيث المعنى والتدبر في آيات القرآن الكريم الذي جعله الله عز وجل كتاب هداية، فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[الإسراء: 9]، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾[فصلت: 44]، فقد أمرنا بتدبر آيات القرآن، وإمعان النظر عند تلاوته، للوصول إلى هذه الحكمة الربانية، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[ص: 29]، مع اعتبار أن من لا يتدبر فقد أوصدت الأبواب برعونة الأقفال على قلبه، وارتمت أحمال الأثقال بذنوبه على صدره، فالله عز وجل يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[محمد: 24]، فلا يعي ولا يستوعب كلام رب العالمين، الذي لا يمكن الغوص لالتقاط درره، إلا بتدبر آياته والوقوف على معانيه، والقرآن بمثابة الرسالة التي وُجِهت إلى صاحبها، وعليه أن يفهم ما فيها، ولو تطلب ذلك السؤال والبحث، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾[النحل: 43-44]، ومما ينبغي أن نلقي الضوء في فهم وتدبر معناه، وإدراك المراد منه ما جاء في القرآن من الحديث عن المسارعة والمسابقة في الخيرات، بانتقاء هذه الألفاظ المناسبة دون غيرها.

مشكلة البحث:

تكمن مشكلة البحث في إيضاح مدلولات هذه الألفاظ في القرآن الكريم، فوضعُها في غير موضعها، أو إسناد اللفظ إلى حرف آخر يبدل المعنى، ويغير المفهوم، وينتج من ذلك عدم فهم المعنى الحقيقي للآية، أو تحميلها غير معناها المقصود، مع ملاحظة التفريق بين هذه الألفاظ فالسرعة غير المسارعة، والسبق يختلف عن المسابقة، والكشف عن حقائق معاني هذه الألفاظ يُظهر الدقة البيانية للقرآن الكريم.

أسئلة البحث:

تنبثق التساؤلات في هذه الدراسة من روح فهم وتدبر آيات القرآن عند الوقوف على مكنونات أسرار حقائقه:

  1. ما حقيقة مفهوم المسارعة والمسابقة؟
  2. ما الفرق بين لفظتي المسارعة والمسابقة؟
  3. ما هي الدلالات التي تحملها الآيات التي تتضمنها هذه الألفاظ؟

أهداف البحث:

من خلال تلك الأسئلة المطروحة تظهر أهداف هذه الدراسة، وهي تتجلى في:

  1. المعنى الصحيح لكلمتي المسارعة والمسابقة، وما تحملهما من مدلولات في بُنيتهما اللفظية، وميزانهما الصرفي.
  2. إظهار الفرق بين لفظتي المسارعة والمسابقة وإبراز دلالة جمعهما في بعض الآيات.
  3. التصور الواضح لمعنى الآيات المتضمنة لهذه الألفاظ، والسياقات التي وردت فيها، مع تجلية الحكمة من ورودها بتلك الدقة والإعجاز البياني.

أهمية البحث:

تظهر أهمية البحث في الآتي:

  1. بيان المعنى الصحيح للمسارعة والمسابقة في الخيرات، وأنه لم يرد أبدا المسارعة والمسابقة إلى الخيرات.
  2. تصحيح الفهم لمعنى الآيات التي وردت فيها لفظتا المسارعة والمسابقة في الخيرات.

منهج البحث:

تعتمد هذه الدراسة على المنهج الاستقرائي لنصوص القرآن الكريم التي جاء فيها ذكر المسابقة والمسارعة، وتأمل الآيات وتدبرها. وكذلك اعتمد البحث على المنهج التحليلي للآيات القرآنية بالنظر في كلام أهل العلم من المفسرين واللغويين، كما قامت هذه الدراسة على المنهج النقدي وذلك لفهم المعنى المراد لتلك الآيات ببيان النكت البلاغية وأوجه الإعجاز فيها.

الدراسات السابقة

هناك عدة دراسات تقدمت هذه الدراسة في موضوع المسابقة والمسارعة، وقد اطلع الباحث على أبرزها، غير أنها تحتاج إلى إعادة نظر، ومن تلكم الدراسات:

  1. المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانيةإعداد: محمد علي الزغول ومحمد سعيد حوى، وهي دراسة ممتازة في بابها، من حيث ذكر الفوائد البيانية، وقد تعرض الباحثان لذكر أوصاف المتسابقين بتتبع الآيات المتعلقة بالمسارعة والمسابقة، ولكن دراستهما هذه أغفلت أمرا مهما وهو التفـريق بين فعلي أسرع وسارع وسبق وسابق، وهنا تكمن النكتة البيانية المهمة التي لم يتعرض الباحثان لذكرها، وتعد من الملاحظات الجديرة بالتنويه لفهم سياق الآيات الواردة بهذا الصدد.

وتتميز دراستي عن دراستهما أيضا بما ينبغي أن لا يفوت على باحث، وهو التفريق بين سارع في الشيء الذي جاء في الآيات، وبين سارع إلى الشيء الذي ذكراه في دراستهما سواءً كان في العنوان أو في صلب الموضوع، وقد تكرر هذا كثيرا في بحثهما، ولذلك حاولت تصحيح هذا المفهوم الذي وقع فيهما الباحثان، وأنه لابد من الانتباه والتنبيه على الاقتصار بالألفاظ الواردة في القرآن ليستقيم المعنى، مع ملاحظة السياقات الواردة المقتضية للتغاير بين الألفاظ التي لم ينوها عليها، وهذا الخلط بين لفظتي سارع في الشيء وسارع إلى الشيء قد أوقع الباحثَينِ في إشكالات لو التزما باللفظ القرآني لما أحوجهما ذلك إلى البحث عن إجابات بعيدة عن الفرق بين الآيات التي لا تتعلق بذلك كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾[البقرة: 148]، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾[فاطر: 32]، فهاتان مختلفتان عن عبارة يسارعون في الخيرات، وعدم التفريق قد أعوزهم إلى البحث عن وجه التوفيق في عبارة المسارعة إلى الخيرات، ومن المعلوم أن التعدية بحروف الجر أو بعدمها يعطي معنىً آخر، وهذا مما سوّغ لي أن أتحدث في هذا الموضوع، وجعلني حتما أن أضيف ما تشير إليه الآيات القرآنية مما لم يتعرض له الباحثان آنفا الذكر.

  1. المسارعة في أعمال الخير دراسة حديثية، إعداد: حسين محمود فريحات، وقد اقتصر الباحث في دراسته هذه على الناحية الحديثية، فدراسته حسب قوله استقراء من كتب السنة النبوية من غير تعرض للآيات المتعلقة بالمسارعة والمسابقة في الخيرات، وفي دراسته ما يشي إلى عدم التفريق بين فعل سارع في فعل الخيرات وسارع إلى فعل الخيرات، وهذا ما حداني للتعقيب وإظهار الوجه البياني في هذه الآيات الكريمة.

خطة البحث:

قسم الباحث هذه الدراسة إلى مبحثين توجهما بمقدمة فيها ذكر مشكلة البحث وأسئلة البحث وأهدافه وأهميته، وجاء المبحث الأول الذي خصصته للتعريف بأهم المصطلحات في ثلاثة مطالب، وجاء المبحث الثاني الذي جعلته في بيان النكت البيانية المتعلقة بآيات المسارعة والمسابقة في الخيرات وهو في ثلاثة مطالب، ثم الخاتمة فيها خلاصة ونتيجة البحث، وأسأل الله العون والتوفيق.

المبحث الأول: التعريف بمصطلحات البحث

المطلب الأول: التعريف بالمسارعة لغةً واصطلاحًا:

المسارعة: أصلها من سرِع يسرَع، وسرُع يسرُع، أي من باب (فرِح وكرُم)، من السرعة نقيض البطء، وقال ابن منظور: وفرَّق سيبويه بين سَرُع وأَسْرَعَ فقال أَسْرَعَ طَلَبَ ذلك من نفسه وتَكَلَّفه، كأَنه أَسرَعَ المشي أَي عَجّله، وأَما سرُع فكأَنها غَرِيزةٌ(1) أي كأنه ساق نفسه بعجلة، وهناك من جعلهما بمعنى واحد(2)، وسارَعَ بمعنى أَسرعَ يقال ذلك للواحد وللجميع سارَعوا، وتَسَرَّعَ بالأَمر بادَرَ به، وسارعَ إِلى الأَمر كأَسْرَعَ وسارَعَ إِلى كذا وتَسَرَّع إِليه بمعنًى، وجاء سرَعاً أَي سَريعاً والمُسارَعةُ إِلى الشيء المُبادَرَةُ إِليه، وأَسرَع الرجلُ سَرُعَتْ دابَّته كما قالوا أَخَفَّ إِذا كانت دابته خفيفة، وسرعان الشيء أَوائِلُه المستبق إِلى الأَمر(3).

ومن خلال كتب معاجم اللغة نجد أن المعنى يدور بين المبادرة والخِفة إلى الشيء، والعجلة وعدم البطء، وما هذا إلا لتقريب المعنى؛ لأننا نرى من يفرِّق بين السرعة والعجلة، فيقول: “الفرق بين السرعة والعجلة أن السرعة التقدم فيما ينبغي أن يتقدم فيه، وهي محمودة، ونقيضها مذموم، وهو الإبطاء، والعجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه، وهي مذمومة، ونقيضها محمود وهو الأناة(4)، كما أنه لابد من ملاحظة الفرق بين يسرع ويسارع، فبعضهم يعتبرهما بمعنى واحد مع وجود الأبلغ منهما، فيقول: “وجائز يُسْرِعُونَ في الخيرات، ومعناه معنى يسارعون، يقال أسْرَعت وسَارَعْتُ في معنى واحدٍ، إلا أن سارعت أبلغ من أَسْرَعْتُ(5)، وهناك من لاحظ ملحظا آخر فقال: “لأن من يسارع غيره أشد اجتهادا من الذي يسرع وحده(6)، وقريب منه قول من قال: “وفرْقٌ بين أسرع وسارع: أسرع يُسرع يعني: بذاته، إنما سارع يسارع أي: يرى غيره يسرع، فيحاول أنْ يتفوق عليه، ففيه مبالغة وحافز على المنافسة(7).

وأما في الاصطلاح:

لم يجد الباحث تعريفا مستقلا للمتقدمين لكلمة المسارعة، غير أنه من المناسب من خلال المعنى اللغوي، ما ذكره المتأخرين بقوله: “مبادرة الشيء بسرعة(8)، وكذلك قول بعض المعاصرين: “المسارعة هي تقليل الزمن في قطع المسافة الموصلة للغاية(9)، ويمكن أن يقال: عدم التأخر والتثاقل عن الإتيان بالفعل.

المطلب الثاني: التعريف بالمسابقة لغةً واصطلاحًا:

المسابقة: أصلها من سبَق يسبِق ويسبُق، والسبْق التقدمة والتقدم في الجري، وفي كل شيء، ويقال سابقه مسابقة وسباقا، وتسابق القوم أي بادروا، واستبقوا وتسابقوا بمعنى تخاطروا، وتسابقوا تناضلوا، والتسابق الابتدار، فيجتهد كل واحد من المتسابقين أن يسبق صاحبه(10)، فيؤخذ من معاني المسابقة التقدم والمبادرة والاجتهاد في الوصول إلى الغاية، والنظر في هذه الكلمة من أول وهلة تجد معنى التنافس للوصول إلى الهدف، فمن الطبيعي أن يكون أكثر من واحد في المسابقة.

وهناك من ذكر أن السبق في القرآن يأتي على أوجه، فبعدما ذكر أن السبق يأتي بمعنى التقدم في السير، وإحراز الفضل قال: “وقيل ورد السّبق فى القرآن على ستَّة أَوجه(11):

الأَول: بمعنى الوجوب: ﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ [الصافات: 171] أَي وجبت.

الثَّاني: بمعنى الاصطياد: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: 17] أَي نصطاد.

الثالث: بمعنى التقدّم على عزم الهروب: ﴿واسْتَبَقَا البَابَ﴾ [يوسف: 25].

الرابع: بمعنى الفَوْت: ﴿أَمْ حَسِبَ الذينَ يَعْمَلُونَ السَّيئاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: 4] أَي يفوتونا.

الخامس: بمعنى إِيصال ملائكة الرّحمة أَرواح المؤمنين إِلى الجنَّة، وملائكةِ العذاب أَرواح الكافرين إِلى جهنَّم: ﴿فالسَّابِقاتِ سَبْقاً﴾[النازعات: 4] .

السّادس: سَبْق المؤمنين إِلى الجنَّة: ﴿والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾[الواقعة: 10].

السابع: سَبْق العجز والإِهانة: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلينَ﴾[الصافات: 171].

الثامن: سَبْق التوحيد والشهادة: ﴿سَبَقُونَا بالإِيمَانِ﴾[الحشر: 10].

التَّاسع: سبق الخير والطَّاعة: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾[المؤمنون: 61].

العاشر: سَبْق العفو والمغفرة: ﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾[الحديد: 21].

الحادي عشر: سبق الجهاد والهجرة: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرينَ﴾[التوبة: 100].

الثاني عشر: سبق الفضل والعناية: ﴿إِنَّ الذِيْنَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحُسْنى﴾[الأنبياء: 101]”(12).

وأما في الاصطلاح فالمسابقة: “هي شدة العدو في حال السير(13) مع محاولة أن يسبق الإنسان غيره(14)، فهي لا تخلو من التنافس بين أشخاص.

المطلب الثالث: الفرق بين المسارعة والمسابقة:

جاء في القرآن الكريم قول الله عزَّ وجل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[آل عمران: 133]، وقوله سبحانه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾[الحديد: 21]، فالأولى صُدرت بالمسارعة، والثانية بالمسابقة، وقد تفاوت أهل العلم في تناولهم لوجوه الاختلاف بين اللفظتين في الآيتين، فمنهم من يقول عن سابقوا بمعنى افعلوا فِعلَمن يسابق شخصاً، فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قرينه بطيئاً، فسار هويناً، وأما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف، فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من المسابقة أبلغ؛ لأنها للحث على التجرد عن النفس والمال، وجميع الحظوظ أصلاً ورأساً(15)، وهناك من أخذ وجها آخر في التفريق بين اللفظتين فقال: “ألا ترى أن المسارع إلى الشيء قد يحصل له ما سارع إليه، وقد لا يحصل، ولا يقال في الغالب سبق إلا فيمن تحصل له مطلوبه، هذا هو الأكثر، والمسارعة متقدمة في الرتبة(16)، فيعتبر أن المسارعة هي قبل المسابقة حقيقة، وكذلك من حيث وجودها في القرآن، وقد أيد ذلك من قال: “والمسارعة تستلزم المسابقة؛ لأن من أسرع إلى الشيء فهو يسبق غيره إليه، ولا بد بخلاف المسابقة فإنه قد يسبق إليه من غير إسراع، وقال أبو جعفر الزبير: إنما قال هنا: (سَارِعُوا) وفي سورة الحديد: (سَابِقُوا) لتقدم المسارعة في التوبة على المسابقة فقدمت عليها في التلاوة؛ ولأن من سابق فقد سارع، ومن أسرع فقد سبق، وقدفعله سبق، وهو نص في حصول المقصود، وسارع من أسرع، وليس بنص في حصول المقصود؛ لأنه قد يسرع ولا يتصل بالغرض(17) وهناك من اعتبر السبق متقدما في الرتبة على المسارعة فقال: “فالمعنى: القصد أنْ يسبق فسارع، سارع في الواقع ليسبق بالفعل، لكن السبْق قبل المسارعة؛ لأن الذهن متهيئ له أولاً، وحقائقه واضحة(18).

وبهذا يتبين وجود التباين بين أهل العلم في النظرة حول الفرق بين هاتين اللفظتين، والحاصل من ذلك أن المسارعة جعلها الله تعالى متقدمة من حيث الرتبة والوجود على المسابقة، فكأنما قال سبحانه سارع أيها الإنسان وفي مسارعتك لابد أن تستحضر أنك تسابق غيرك من الناس.

المبحث الثاني: نكت بيانية في آيات المسارعة والمسابقة:

توطئة: الآيات التي سيتناولها الباحث:

  1. قوله عز وجل:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[آل عمران: 133].
  2. قوله سبحانه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾[الحديد: 21].
  3. قوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾[المؤمنون: 61].

المطلب الأول: بيان موقع الآيات الثلاث:

مما لا ريب فيه أن تدبر آيات القرآن أمر متحتم على كل أحد، والناظر في الآيات الثلاث السابقة ليُدرك تماما أن هذا القرآن جاء دقيقا في وضعه، وأن الصبغة الربانية الإلهية واضحة حتى في مواضع السور والآيات، بل والكلمات والحروف، فقد جعل المولى تبارك وتعالى كل آية في موضعها بحكمة عالية، ودِقة فائقة، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾[هود: 1]، وكل كلمة في موضعها، وكل حرف في موضعه، مصداقا لما جاء في الرواية: “كان إذا نزلت عليه آية قال اجعلوها في سورة كذا وكذا(19)، وكذلك الموضع الذي تكون فيه الكلمة أو الآية يقول اجعلوها في موضع كذا وكذا، ويتجلى هذا الأمر في هذه الآيات الثلاث، التي جاءت من حكيم خبير يضع الأشياء في مواضعها بدقة متناهية، فكلمة (وسارعوا) التي في سورة آل عمران جاءت في بداية وأوائل القرآن، وكلمة (سابقوا) التي في سورة الحديد جاءت في نهاية وخواتيم القرآن، وبين البداية والنهاية أو الأوائل والخواتيم، تتوسط القرآنَ الآيةُ التي جمعت بين الطرفين، ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾[المؤمنون: 61]، فكأن كلمة (وسارعوا) في موضع (يسارعون)، وكلمة (سابقوا) في موضع (سابقون)، وهذا ليس من الصدفة في شيء بل هو من الحكمة الربانية، التي أودعها الله عزَّ وجل في هذا القرآن الحكيم، فالحكيم سبحانه أودع الحكمة في كتابه الحكيم، فأول كلمة في آية آل عمران صدَّر بها المولى في هذه الآية، وأول كلمة في آية الحديد التي جاءت في أواخـر القرآن ختم بها آية سـورة المؤمنون، وبعدها أعقب الحق سبحانه هذه الآية الكريــمة بما يُوضِّح هذه الحكمة؛ لبيان أنه يحتاج إلى تدبر وتفكر وتأمل فقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾[المؤمنون: 68]، ويرى الباحث أن هذه الآية الكريمة التي جمعت بين الوصفين المسارعة والمسابقة التي أمر الله بهما في سورة آل عمران وسورة الحديد، أن موضعها أيضا جاء لحكمة أخرى، وهي أن سورة المؤمنون توسطت القرآن، فجاء وصف المؤمنين أنهم هم الذين جمعوا بين الصفتين المسارعة والمسابقة، فكأن الآية تقول: المؤمنون في سورة (المؤمنين) هم من جمعوا بين الأمرين اللذين في سورة آل عمران (وسارعوا)، وسورة الحديد (سابقوا)، فهم (يسارعون) و(سابقون)، وهذا نوع من إعجاز القرآن الذي لا تنقضي عجائبه.

المطلب الثاني: حرف الجر (في) و (إلى):

من الملاحظ في الآيات الثلاث الاختلاف في تعدي هذه الأفعال ففي الأولى والثانية بحرف (إلى)، وفي الآية الثالثة بحرف (في)، وهو أمر في غاية الدقة والحكمة الإلهية، وذلك مثل الوصية ففي أكثر الآيات تكون الوصية مصحوبة بحرف الباء مثل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾[العنكبوت: 8، لقمان: 14، الأحقاف: 15]، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾[الشورى: 13]، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾[النساء: 11، 12]، ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾[مريم: 31]، فهذه كلها جاءت مصحوبة بالباء، بينما جاء قوله سبحانه وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾[النساء: 11]، فالوصية هنا تختلف تماما عن الآيات الأخرى، وهذه إشارة واحدة لما يوجد في القرآن من مثل هذا النوع، وقد جاء ذلك في المسارعة والمسابقة أيضا، ويرى الباحث أن القرآن لم يذكر أبدًا أن من صفات المؤمنين والصالحين (أنهم يسارعون إلى الخيرات)، بل الذي جاء (أنهم يسارعون في الخيرات)، وفرق بين العبارتين، والعدول عن عبارة القرآن يجر إلى الوقوع في مزالق، وينتهي به إلى إشكالات ومحاذير، قد لا يُتفطن لها من أول وهلة، بينما إذا تتبعنا آيات القرآن لوجدنا هذا الأمر جليا واضحا، ففي غير موضع من القرآن جاء وصف الصالحين بأنهم يسارعون في الخيرات وليس إلى الخيرات، فالله سبحانه وتعالى يقول في وصفهم: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[آل عمران: 114]، ويقـول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]، وقال سبحانه أيضا: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61]، فأنت كما ترى أن هذه الآيات كلها ذكرت يسارعون في الخيرات، ولن تجد في القرآن يسارعون إلى الخيرات، بل جاء مقابل وصف الصالحين وصف غير المؤمنين بأنهم يسارعون في غيهم، فالله عزَّ وجل يقول: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾[آل عمران: 176]، ويقول سبحانه: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[المائدة: 62]، وهناك من أهل العلم من تفطن لهذا الأمر، منهم أبو السعود فهو يقول: “{الذين يسارعون في الكفر{ أي يقعون فيه سريعاً لغاية حرصِهم عليه، وشدةِ رَغبتِهم فيه، وإيثارُ كلمةِ (فِي) على ما وقع في قولِه تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ الآية﴾ للإشعار باستقرارهم في الكفر، ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها، كما في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يسارعون فِي الخيرات﴾، فإن ذلك مؤذِنٌ بملابستهم للخيرات، وتقلّبِهم في فنونها، في طرفي المسارعةِ وتضاعيفِها، وأما إيثار كلمة (إلى) في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ الخ﴾؛ فلأن المغفرةَ والجنةَ منتهى المسارعةِ وغايتُها(20)، وقال أيضا: “والمسارعةُ في الشيء الوقوعُ فيه بسرعة ورَغبة، وإيثارُ كلمةُ (في) على كلمة (إلى) الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن ربكم وجنةإلخ﴾، للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر، لا يبرَحونه، وإنما ينتقِلون بالمسارعة عن بعض فنونِه وأحكامِه إلى بعضٍ آخرَ منها، كإظهارِ موالاةِ المشركين، وإبرازِ آثارِ الكيدِ للإسلام، ونحوِ ذلك، كما في قولِه تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يسارعون فِي الخيرات﴾، فإنهم مستمرون على الخير مسارعون في أنواعِه وأفرادِه(21)، ويقول محمد رشيد رضا: “فالمسارع إلى الشيء هو الذي يسرع إليه من خارجه؛ لأجل أن يصل إليه، والمسارع في الشيء هو الذي يسرع في أعماله، وهو داخل فيه(22)، ومن المعاصرين من قال في تفسيره: “سارع إلى كذا: إذا كنتَ خارجاً عنه، وتريد أن تخطو إليه خُطّىً عاجلة، لكن إنْ كنتَ في الخير أصلاً، وتريد أنْ ترتقي فيه تقول: سارع في الخيرات، فالأولى يخاطب بها مَنْ لم يدخل في حيِّز الخير، والأخرى لمنْ كان مظروفاً في الخير، ويريد الارتقاء(23)، والخلاصة من هذا أن من كان في دائرة الخيرات فهو يسارع فيها، ولم يخرج عنها في وقت من الأوقات، وتجده دائما ينتقل من خير إلى خير، أما غيره فهو خارج من هذه الدائرة، فإذا أراد أن يلحق بركب الصالحين، ويدرك موكب المتقين، فعليه أولا أن يُقدم الاعتذار، وأن يأتي بالمبررات والمسوغات التي جعلته خارج هذه الدائرة، وذلك بالاتجاه إلى طلب المغفرة، والعفو من الله عز وجل بالمسارعة إلى الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله تعالى، ومن هنا تدرك خطأ من لم يفرِّق بين العبارتين(24).

المطلب الثالث: سارع وسابق:

مما ينبغي الوقوف عنده الصيغةُ التي جاءت في الفعلين سارع يسارع، وسابق يسابق، فهما يختلفان عن أسرِع وأسبِق، وقد مر في بداية الحديث في التعريف اللغوي لهاتين الكلمتين، وما ذكره أهل اللغة في ذلك، والباحث يرى أن النصوص القرآنية أو الكلمات القرآنية ينبغي أن يتناولها الباحثون من صميم السياق، لا بعيدًا أو مقطوعًا عن السياق الذي جاءت فيه، فهو مما يعين على فهم المعنى، والوصول إلى المراد أو يقارب، ومن تدبر الآيات القرآنية الواردة في شأن المسارعة والمسابقة في الخيرات يكاد يدرك هذه المعنى من خلال النظر في سياق الآيات الواردة، فأهل اللغة والمفسرون يذكرون أن هذين الفعلين فيهما معنى التنافس، وأنهما أبلغ من أسرِع وأسبِق، مع أن كلا الصيغتين هما فعلا أمر، إلا أن صيغة المفاعلة تكون أبلغ، فمثلا أبو حيان يقول: “وجهة المبالغة أن المفاعلة تكون من اثنين، فتقتضي حث النفس على السبق؛ لأن من عارضك في شيء تشتهي أن تغلبه فيه(25).

غير أن الباحث يرى أن المعنى أبعد من هذا، فالله سبحانه وتعالى لما أخبرنا عن حال المؤمنين قال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾[المؤمنون: 61]، فكأنها إشارة إلى أن المطلوب إظهار وإبراز جهد السرعة والسبق بغض النظر عن ملاحظة الآخرين، فاجتهاده ورغبته في السرعة والسبق بحسب طاقته، وبحسب همته واهتمامه، لا بحسب وصوله وبلوغه، ويؤكد ذلك الآية التي تليها مباشرة، فالله عزَّ وجل يقول: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[ المؤمنون: 62]، ففي هذه الآية الكريمة يبين الله سبحانه أنه لا يجب على الإنسان أن يفعل فوق طاقته، وليس بوسعه، وإنما يقوم بما أودع الله فيه من قوة واستطاعة وإرادة، فمحاولة الاجتهاد في العمل الصالح والاستمرار في الخيرات كفيل لبيان صدق وإخلاص المسارع والمسابق، والحجة في ذلك الكتاب الغيبي الذي يُفصح عن النسبة والحقيقة، ولدينا كتاب ينطق بالحق، هو هذا البيان الحقيقي ويظهر ذلك في الآخرة، وهو يصدق على قليل دائم خير من كثير منقطع، وبالمثال يتضح المقال ويزول الإشكال، فمثلا: لو عقدنا سباقا بين شخصين غير متكافئين رجل ميسور ورجل ثري غني، فعند الإنفاق الميسور الذي يملك 2000دولار أنفق 200 دولار، والغني الذي يملك ما يقارب 500000دولارا أنفق 250دولارا، لا يعني سبقه فنسبة ما أنفقه الميسور عند الله أكثر مما أنفقه الغني، وكذلك من صلى قاعدا وهو مريض ويحافظ على الجماعة من الصحيح الذي يتأخر في صلاته، وهكذا من حيث المسارعة والمسابقة التي تظهر في ميزان الله صدق إخلاصه وتفانيه في الخيرات من المتكاسل أو المتثاقل.

هذا مثال لبيان دقة معنى المسارعة والمسابقة في الخيرات، فالمسارع والمسابق في الخيرات لا يبرح دائرة الخيرات، مع الأخذ بالاعتبار أن في المسابقة والمسارعة عدم التكليف فوق الطاقة.

وكذلك مما ينبغي لفت النظر إليه هذا المثال الثاني الذي يقرب للأذهان معنى المسارعة والمسابقة ففي المدرسة التي تبدأ طابورها الساعة السابعة الطالب الأول خرج من بيته الساعة السادسة، وهو يمشي الهوينا، ولا يسرع في مشيه، ووصل قبل السابعة، والطالب الثاني الذي نام إلى الساعة السادسة والنصف، وذهب مسرعا إلى المدرسة، وبذل من السرعة ما يمكنه أن يصل مبكرا، فكان يجري بقوة، ووصل الساعة السابعة ودقيقة، فشتان بين الطالبين، الأول عنده همة واجتهاد، والثاني يحتاج أولا إلى طلب العفو والمغفرة، ولو كان مسارعا، ويسابق الريح إلا أنه تأخر عن الموعد، فسرعته لا تشفع له، هكذا صورة المسارِع والمسرِع، والمسابِق والمسبِق غيره، هذه الصورة تُقرب للذهن صورة من كان في دائرة الخيرات لا يخرج عنها فهو فيها يتقلب وينتقل في أفيائها، وصورة من كان خارج الدائرة الذي يحتاج أولاً أن يذهب ليطلب العفو من تقصيره؛ ليدخل في حيز الصالحين، ويسأل المغفرة لينعم الله عليه بالدخول في ميدان المؤمنين.

الخاتمة

الحمد لله الذي وفقني لإتمام هذه الدراسة التي تعنى بالنظر في آيات القرآن الكريم الذي يحتاج منا إلى تدبر آياته، وإعادة النظر في الغوص في أسراره، ومن أبرز وأهم النتائج التي توصلت إليه هذه الدراسة:

  1. وصف الله عز وجل الأنبياء والصالحين أنهم يسارعون في الخيرات، ولا توجد آية تصف الصالحين بأنهم يسارعون إلى الخيرات، وأخطأ من وصفهم بالمسارعة إلى الخيرات.
  2. الحرف الواحد قد يغير المعنى، فالمسارعة في الشيء لمن هو داخل فيه، بينما المسارعة إلى الشيء لمن هو خارج عنه.
  3. الإعجاز البياني في موضع كلمتي (وسارعوا)، و(سابقوا) الأولى في بداية القرآن والثانية في نهايته، وتجمعهما في وسط القرآن آية في سورة المؤمنون لبيان حقيقة وصف المؤمن الصالح.
  4. التفريق بين أسرع وسارع، وبين أسبق وسابق وأن الدقة في التعبير القرآني جاءت لإظهار عدم التكليف فوق الطاقة فالمطلوب المسارعة وليست السرعة، والمسابقة وليس السبق.

التوصيات والمقترحات:

وبعد عرض أهم النتائج يوصي الباحث بما يلي:

  1. مواصلة البحث والتفريق بين لفظتي الاستباق والمسابقة في القرآن فهما كلمتان مختلفتان أيضا، مع إعادة النظر في تلك البحوث المنشورة، وتصحيح ما ورد فيها من نسبة المسارعة إلى الخيرات للأنبياء والصالحين.
  2. عدم التسرع في نسبة الأفعال والأحكام في القرآن إلا إذا كانت دقيقة وصحيحة خشية الانحراف في المعنى، والتأكيد على عدم الخلط بين الألفاظ.
  3. تكريس الجهود في كتابة البحوث التي تستجلي حقائق ومكنونات القرآن، وأسرار الحروف التي قد تغير المعنى باستبدالها عن غيرها.

المصادر والمراجع

  • ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر(ط2). حمدي السلفي وصبحي السامرائي (تحقيق). الرياض: مكتبة الرشد، (1414هـ/ 1993م).
  • ابن عرفة، محمد بن محمد الورغمي التونسي، تفسير ابن عرفة(ط1)جلال السيوطي(تحقيق). بيروت: دار الكتب العلمية، (2008م).
  • ابن عطية الأندلسي، عبدالحق بن غالب المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز(ط1)عبد السلام عبد الشافي(تحقيق). بيروت: دار الكتب العلمية، (1422هـ، 2001م).
  • ابن منظور، محمد بن مكرم الإفريقي، لسان العرب (ط1). بيروت: دار صادر، (د. ت).
  • أبو إسحاق الزجاج، إبراهيم بن السري بن سهل، معاني القرآن وإعرابه(ط1). عبد الجليل عبده شلبي (تحقيق). بيروت: عالم الكتب، (1408هـ/1988م).
  • أبو السعود، محمد بن محمد العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم(د. ط). بيروت، دار إحياء التراث العربي، (د. ت).
  • أبو حيان، محمد بن يوسف الأندلسي، البحر المحيط(ط1). عادل عبدالموجود وعلي معوض (تحقيق). بيروت: دار الكتب العلمية، (1422هـ).
  • أبو هلال العسكري، الحسن بن عبدالله، الفروق اللغوية(ط1). محمد إبراهيم سليم (تحقيق). القاهرة: دار العلم والثقافة، (1997م).
  • الألوسي، محمود بن عبدالله، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني(ط1) علي عبد الباري عطية (تحقيق). بيروت: دار الكتب العلمية، (1415هـ).
  • البقاعي، إبراهيم بن عمر، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور(د. ط). القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، (1982م).
  • الترمذي، محمد بن عيسى. السنن(ط2). مصر: مطبعة مصطفى الحلبي، (1395هـ/1975م).
  • رضا، محمد رشيد. تفسير المنار(ط3). مصر: دار المنار، (1990م).
  • الزبيدي، محمد مرتضى. تاج العروس من جواهر القاموس(ب. ط). عبدالعليم الطحاوي (تحقيق). الكويت: المجلس الوطني للثقافة، (1404هـ/1984م).
  • الزغول، محمد علي وحوى، محمد سعيد، المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانية، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، التفسير وعلوم القرآن، العدد3، الأردن، 2008م.
  • الشعراوي، محمد متولي، تفسير القرآن. القاهرة: مطابع أخبار اليوم، (ب. ط، ب. ت).
  • طنطاوي، سيد، التفسير الوسيط(ط1). القاهرة: دار نهضة مصر، (1998م).
  • العثيمين، محمد بن صالح. تفسير القرآن (الحجراتالحديد)، (ط1). الرياض: دار الثريا للنشر والتوزيع، (1425هـ /2004م).
  • الغرناطي، أحمد بن إبراهيم الثقفي. ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل(ط1). سعيد الفلاح (تحقيق). بيروت: دار الغرب الإسلامي، (1403هـ/1983م).
  • الفراهيدي، الربيع بن حبيب. المسند(د. ط). بيروت: دار الحكمة، (1415هـ).
  • فريحات، حسين محمود، المسارعة في أعمال الخير دراسة حديثية، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الإسلامية، قسم العقيدة والتفسير والحديث، المجلد26، العدد2، فلسطين، 2018م.
  • الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب (د. ت). بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز(د. ط). محمد علي النجار (تحقيق). بيروت: المكتبة العلمية.

1)ابن منظور، لسان العرب، ج8، ص151.

2)الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج21، ص184.

3)ابن منظور، المرجع نفسه، بتصرف.

4)العسكري، الفروق اللغوية، ص204.

5)الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج4، ص17.

6)الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج1، ص544.

7)الشعراوي، تفسير القرآن، ج16، ص10068.

8)الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ج3، ص345.

9)الشعراوي، المرجع نفسه، ج5، ص3198.

10)ابن منظور، لسان العرب، ج10، ص151 (بتصرف).

11) أي أنه ورد على ستة معاني مختلفة، ولذا من السادس فصاعدا بمعنى السبق لا مثل المعاني المتقدمة.

12) الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق: محمد علي النجار، ج3، ص183-184.

13) العثيمين، تفسير القرآن (الحجراتالحديد)، ص407. المرجع نفسه، ج5، ص3198.

14) طنطاوي، التفسير الوسيط، ج14، ص221.

15) البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج19، ص291-292.

16) الغرناطي، ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل، ج1، ص316.

17) الورغمي التونسي، تفسير ابن عرفة، ج1، ص411.

18) الشعراوي، تفسير القرآن، ج16، ص10069.

19) رواه الربيع بن حبيب الفراهيدي، المسند، ص28 رقم(15)، ورواه بلفظ مقارب الترمذي، السنن، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، ج5، ص272برقم (3086)، وغيرهما، قال ابن حجر: “هذا حديث حسن، ينظر: ابن حجر، موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر، ج1، ص45.

20)أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، ج2، ص115.

21)المرجع نفسه، ج3، ص36.

22)رضا، تفسير المنار، ج6، ص321.

23)الشعراوي، تفسير القرآن، ج16، ص10062.

24)اطلع الباحث على بحثين وقعا في ذلك، بسبب عدم التفريق بين المسارعة في الخيرات، والمسارعة إلى الخيرات، عملا وتطبيقا في بحثهم، ينظر: الزغول، وحوى، ”المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانية “، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، وحسين محمود فريحات، ”المسارعة في أعمال الخير دراسة حديثية “، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الإسلامية.

25)أبو حيان، البحر المحيط، ج6، ص379.

==> أرسل بحثك <==