Surah Al-Humaza: Invocation Objective Study

Shareefah abdulkareem freihat

Faculty of Education || Al-Zulfi – Majmaah University || KSA

DOI PDF

The objective interpretation can be showed in three ways: to follow the text in its context in the Koran and interpreted its meaning; to search for the similar verses which competent one subject and illustrates the objective interpretation; or to address the whole Surah and explore it in an objective study and to explain the definition of the Surah and determine the main idea of the Surah then divided into topics and link verses with the main idea. The aim of this study is to study Surat Al- Humaza an objective study, a general definition of the surah and its topics was explored then the topics were linked with the pre – and beyond to show the miracle the connection between the topics of the Koran in the context of the Surah and its verses. Then the main idea was identified which is challenging and flawing people in their presence and in their absence, then the topics of the verses of Surah were linked to the main idea to show “with the help of God” the objective unity of the Holy Qur’an. The first verse of the Surah threat and intimidate anyone who challenges people and flaw them, because challenging and flawing people showed the evil in the heart, and the behavior of the Muslim is correct only by treating his heart after the recovery of his mind. As money is one of the motives that drive the evil hearts to challenge and flaw the people and do unfairness to other people, the Surah stated the money and its impact on the souls after the threat and intimidation on the one who slanderer that he insults and holds others in contempt habitually, the fraud and raise money to arrogance and did not pay for the right of God for the poor will all be lost, crashed and shattered all hopes and. Every oppressor arrogant to the other will be punished in the Hell, all of this were sown in the Surah and it can be seen in the unity of objectivity between the verses of Surah from beginning to end. Keywords: The Holy Quran – Surah Al-Humaza – Objective interpretation.

سورة الهمزة: دراسة موضوعية دعوية وتربوية

شريفة عبد الكريم فريحات

كلية التربية بالزلفى || جامعة المجمعة || المملكة العربية السعودية

للتفسير الموضوعي ثلاثة ألوان: إما بتتبع لفظة في القرآن ومعرفة معانيها حيث وردت، وإما بالبحث عن الآيات المختصة بموضوع واحد وتفسيرها تفسيراً موضوعياً، أو تناول سورة كاملة ودراستها دراسة موضوعية ببيان تعريفٍ عامٍ للسورة وتحديد المحور العام الذي تدور حوله السورة الكريمة، ومن ثم تقسيمها إلى مقاطع وربط آياتها بالمحور. هذا البحث جاء لدراسة سورة الهمزة دراسة موضوعية دعوية، فتم ذكر تعريف عام للسورة، وما اشتملت عليه من موضوعات مع ربطها بما قبلها وما بعدها ليظهر إعجاز القرآن الكريم في ترابط سوره وآياته، ومن ثم حُدد موضعها ومحورها العام وهو مشكلة الطعن وعيب الناس في حضورهم وفي غيبتهم وتم ربط موضوعات آيات السورة الكريمة بالمحور لتظهر بعون الله الوحدة الموضوعية للسورة الكريمة. فنصت الآية الأولى في السورة على التهديد والوعيد لكل من يطعن في الناس ويعيبهم لأن أساس الطعن مرض في القلب ولا يستقيم سلوك المسلم إلا بعلاج قلبه بعد معافاة عقله. ولما كان المال أحد الدوافع التي تدفع أصحاب القلوب المريضة لهمز الناس وعيبهم وقلب الموازين عن حقيقتها ذكرت المال وأثره على النفوس بعد التهديد والوعيد على الهمز فنتيجة الهمز وجمع المال للاغترار والتكبر، وعدم إخراج حق الله منه هي الحطمة التي تحطم كل آمال وما اشتملت عليه النار من أوصاف فهي مؤصدة على أهلها لا مجال للخروج والخلاص وهذه هي نتيجة كل ظالم متكبر على غيره ونتيجة تظهر فيها اللحمة والوحدة الموضوعية بين آيات السورة من البداية إلى النهاية. الكلمات المفتاحية: القرآن الكريم – سورة الهمزة – تفسير موضوعي.

المقدمـــــــــــــة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين وبعد:

إن القرآن الكريم كتاب الهداية الخالدة للبشرية، أخرج الله به العباد من الظلمات إلى النور، من اتباع الهوى إلى اتباع الهدى، من سوء الخُلق إلى حُسن الخلق، من الذلة إلى العزة.

القرآن الكريم كتابٌ عظيم بآياته وسوره، بأحكامه وأخباره لا نجد خللاً بين ثناياه فهو كتابٌ عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتابٌ هذه صفاته حريٌ بنا أن نحرص على اتباعه واتخاذه منهج حياة في تعاملنا مع خالقنا وذواتنا وكل ما يحيط من حولنا من بشر وحيوان وجماد فالقرآن الكريم كتاب منهج حياة شامل متكامل بسوره وآياته.

فلو نظرنا لسوره لوجدنا لكل سورة هدفاً وفكرة متضحة من خلال موضوعها أو مواضيعها إن اشتملت على مواضيع متعددة. في هذا البحث تدور الدراسة حول سورة الهمزة التي يتضح محورها من اسمها وهو همز الناس والتكبر عليهم وهو سببٌ كفيل بأن يدخل صاحبه النار وسلوك يستحق صاحبة المذمة والملامة في الدنيا والعذاب في الآخرة فعزة الإنسان تكون بإيمانه وتواضعه لله ولخلق الله.

ولا شك أن أعلى المؤمنين منزلة عند الله أحاسنهم أخلاقاً ومن حسن الخلق كف أذى اللسان والجوارح عن الآخرين والتهامز صورة من صور التكبر وسوء الخلق.

هذا البحث تناول سورة الهمزة دراسة موضوعية دعوية تربوية حيث بينت فيه محور السورة وهدفها العام وذكرت علاقة السورة بما قبلها وما بعدها وحددت مواضيعها كاملة وربطت كل موضوع بهدف السورة ومن ثم ذكرت عاقبة وسوء من ارتكب واتصف بخلق التهامز والتكبر وفي النهاية ذكرت الأساليب الدعوية والتربوية لعلاج الهمز والمز وداء تعلق القلب بالمال.

مشكلة الدراسة:

يمكن تحديد مشكلة الدراسة في الأسئلة التالية:

  1. ما محور سورة الهمزة وما علاقتها بالسورة التي قبلها والسورة التي بعدها؟
  2. ما حكم الهمز واللمز؟.
  3. ما الأثر الذي يتركه الهمز في النفوس؟.
  4. ما الأثر الذي يتركه المال في النفوس؟.
  5. ما عاقبة الهماز، وما هي أوصاف النار؟.

أهداف الدراسة:

  1. بيان المحور الذي تدور حوله السورة الكريمة
  2. بيان علاقة السورة بالسورة التي قبلها والتي بعدها
  3. توضيح حقيقة الهمز وبيان أثره على النفوس بطريقة دعوية
  4. بيان أثر المال على سلوك الإنسان.
  5. وصف العذاب الذي ينتظر الهماز عقاباً لفعلته.

أهمية الدراسة:

  1. الاطلاع على أسرار القرآن وخفاياه وترابط سوره وآياته.
  2. حاجة البشرية إلى ترهيب يردع أصحاب القلوب الفاسدة عما هي عليه من همز الناس وعيبهم.
  3. ما ينتظر الهماز من عذاب ٍ حريٌ به أن يتأمل حاله ويصلح أعماله ويبتعد عن الاشتغال بعيب الناس.

منهج الدراسة:

انتهجت المنهج الموضوعي ببيان محور السورة وهدفها وعلاقتها بما قبلها وما بعدها وما اشتملت عليه من موضوعات ترتبط بالمحور العام للسورة.

الدراسات السابقة:

  1. دراسة بيانية في سورة الهمزة، محمد فاضل السامرائي: تناول الباحث أسرار البيان القرآني من خلال السورة الكريمة مع بيان القصد في التعبير القرآني، ذكر الباحث دلالة التركيب ودقته وأثر الحركة الإعرابية في المعنى.
  2. سورة الهمزة دراسة موضوعية، سلام عبود حسن وخليل ذياب أحمد: ذكر الباحثان أسباب النزول وجمعا أقوال العلماء في المعاني بالإضافة إلى أنهما عرضا موضوعات السورة وبلاغتها، ركز الباحثان على عرض أقوال الصحابة والعلماء في تفسير الآيات دون أن يتم التعقيب عليها ودون ذكر المستفاد العام من تلك الأقوال.
  3. سورة الهمزة دراسة لغوية أسلوبية، شفاء خضير عباس: درست الباحثة السورة دراسة تحليلية لغوية لتظهر مكامن النص وأطره اللغوية والجمالية عن طريق الاطلاع على أسلوبية النص القرآني بما يحتويه من معان ودلالات.

أما هذه الدراسة فقد تناولت الجانب الموضوعي في السورة معالجة للجانب الاجتماعي من خلال الأسلوب الدعوي بتطبيق محتوى السورة على أرض الواقع فقمت بربط المشكلة بالواقع وتقديم العلاج الديني لها محاولة إقناع القارئ من خلال الدليل من القرآن والسنة لأقدم الجديد عما قدمه غيري.

خطة البحث: قسم البحث إلى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة:

  • المقدمة: وتضمنت ما تقدم.
  • المبحث الأول: التمهيد للسورة، وفيه أربعة مطالب:
    • المطلب الأول: تعريف عام للسورة
    • المطلب الثاني: المحور العام الذي تدور حوله السورة
    • المطلب الثالث: علاقة السورة بالسورة التي قبلها
    • المطلب الرابع: علاقة السورة بالسورة التي بعدها
  • المبحث الثاني: موضوعات السورة: وفيه خمسة مطالب:
    • المطلب الأول: الهمز واللمز وأثرهما على الفرد والمجتمع
    • المطلب الثاني: جمع المال وأثره على الفرد والمجتمع
    • المطلب الثالث: عاقبة الهماز
    • المطلب الرابع: أوصاف النار
    • المطلب الخامس: نتيجة الهمز وجمع المال دون إخراج زكاته
  • المبحث الثالث: الأساليب الدعوية والتربوية في علاج الهمز واللمز وداء تعلق القلب بالمال
  • الخاتمة: وتضمنت النتائج والتوصيات.

المبحث الأول: التمهيد للسورة

المطلب الأول: تعريف عام للسورة

سميت هذه السورة في المصاحف ومعظم التفاسير سورة الهمزةبلام التعريف. وعنونها في صحيح البخاريوبعض التفاسير سورة ويل لكل همزة“. وذكر الفيروز آبادي في بصائر ذوي التمييزأنها تسمى سورة الحطمة لوقوع هذه الكلمة فيها(1).

وهي مكية بالاتفاق.

وعدت الثانية والثلاثين في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة القيامة وقبل سورة المرسلات، وآيها تسع بالاتفاق)(2).

المطلب الثاني: المحور العام للسورة الكريمة

تناولت السورة (مشكلة خلقية مستعصية بين الناس وهي الطعن في الآخرين بالغيبة أثناء غيابهم، أو بالعيب حال حضورهم). (3) وقد ورد تحريم الغيبة في القرآن والحديث في غير هذا الموضع لعظم وقع الطعن في النفوس وأثره على القلوب يقول تعالى: ﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ” (الحجرات: 12).

فالغيبة تعتبر أذية من المسلم لأخيه المسلم إن كان ما قيل صحيح وتعتبر بهتان إن افتراه على أخيه المسلم يقول تعالى﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ (الأحزاب: 58).

والطعن ينتج من غرورٍ وتكبر عند صاحبه فترى الهماز يكتسب صفة التكبر من خلال غرورة بنفسه وسخريته من غيره ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (القلم: 11).

المطلب الثالث: علاقة السورة بما قبلها

أولاً: علاقة السورة بما قبلها في ترتيب النزول (سورة القيامة)

اختتمت سورة القيامة بقوله تعالى ﴿أَيَحْسَبُ الْإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾” (القيامة: 36- 40).

تناولت سورة القيامة أوصاف الناس وأهوال يوم القيامة واختتمت بذكر مبدأ خلق الإنسان وأساس تكوينه وكيف تولته العناية الربانية إلى أن كبر فالله تعالى أوجده من العدم خلقه من مني يمنى والبشر في ذلك متساويين فلا فضل لأحد على أحد فلِمَ التكبر والتعالي والجميع سواسية ومن أوجده من العدم قادر على بعثه وتعذيبه إن ترك طاعته وخالف أمره فالنهاية فيها تهديد ووعيد لكل من خالف يقول البقاعي: ” في آخر القيامة التهديد على مطلق التكذيب، وأن المرجع إلى الله وحده، والإنكار على من ظن أنه يترك سدى والاستدلال على البعث وتمام القدرة عليه4

ابتدأت سورة الهمزة بتهديد لنوعين من أنواع المخالفات لأمره سبحانه وتعالى دافعهما الأساسي الكبر في نفس صاحبه وهما الهمز واللمز ولو نظر هذا الإنسان إلى أساس خلقه كما ذكرتها سورة القيامة لما تعالى وتكبر على غيره.

لكن الواجب على الإنسان تربية نفسه على التواضع ولين الجانب فكلنا من آدم وآدم من تراب.

ثانياً: علاقة السورة بما قبلها في ترتيب المصحف ( سورة العصر (

(لما بين الناجين من قسمي الإنسان في العصر، وختم بالصبر، حصل تمام التشوف إلى أوصاف الهالكين، فقال مبيناً لأضلهم وأشقاهم الذي صبر على أذاه في غاية الشدة ليكون ما أعد له من العذاب مسلاة للصابر: (ويل) أي هلاك عظيم جداً لكل همزة أي الذي صار له الهمز عادة لأنه خلق ثابت في جبلته وكذا لمزة ( والهمز الكسر كالهزم، واللمز الطعن هذا أصلهما، ثم خصا بالكسر من أعراض الناس والطعن فيهم، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة: الهمزة الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه عليه ويهمز به، واللمزة الذي يعيب الناس سراً…..وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْإنسان لَفِي خُسْرٍ﴾ أتبعه بمثال من ذكر نقصه وقصوره واغتراره، وظنه الكمال لنفسه حتى يعيب غيره، واعتماده على ما جمعه من المال ظناً أنه يخلده وينجيه، وهذا كله هو عين النقص، الذي هو شأن الإنسان، وهو المذكور في السورة قبل، فقال تعالى وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ فافتتحت السورة بذكر ما أعد له من العذاب جزاء له على همزه ولمزه الذي أتم حسده، والهمزة العياب الطعان واللمزة مثله، ثم ذكر تعالى مآله ومستقرة بقوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي ليطرحن في النار جزاء له على اغتراره وطعنه )(5).

الخسارة في الحقيقة خسارة الدين فمن خسر دينه خسر كل شيء لأن الدنيا فانية لا استمرار لها وما يجنيه من صالحات فيها ستكون زاده الوحيد يوم القيامة لذلك جاء التشديد والوعيد لكل من يدفعه تكبره إلى همز الناس وعيبهم لأن الأصل عليه أن يعيب نفسه ويقومها ويدقق على ذنوبه ويتوب منها قبل فوات الأوان.

المطلب الرابع: علاقة السورة بما بعدها

أولاً: علاقة السورة بما بعدها في ترتيب النزول (المرسلات )

جاء ختام سورة الهمزة بذكر بعض أوصاف العذاب لكل من طغى وتكبر، ذلك العذاب المنتظر يوم القيامة يوم الحسرة والندامة، ولربما جحده البعض وأنكره، جاء بدء سورة المرسلات بأقسامٍ عظيمة أقسم الله تعالى ببعض مخلوقاته ليؤكد أن النبأ يقين والأمر واقع محتوم يقول ابن القيم المقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلا بد أن يكون مما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور الظاهرة المشهورة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها6

يقول تعالى في بداية سورة المرسلات: ﴿ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴾المرسلات: 1-7

يقول الزحيلي: ” ذكر فيها القسم على وقوع البعث، ثم بيان مقدماته، ثم إيراد بعض دلائل القدرة والوحدانية7

فالبعث أمرٌ محتوم لا نقاش فيه سيجازى العاصي على عصيانه والكافر على كفره.

ثانياً: علاقة السورة بما بعدها في ترتيب المصحف (الفيل)

(دلت سورة الفيل على آخر الهمزة من إهلاك المكاثرين في دار التعاضد والتناصر بالأسباب، فعند انقطاعها أولى لاختصاصه سبحانه وتعالى بتمام القدرة دون التمكن بالمال والرجال….لما قدم في الهمزة أن كثرة الأموال المسببة بالقوة بالرجال ربما أعقبت الوبال، دل عليه في سورة الفيل بدليل شهودي وصل في تحريقه وتغلغله في الأجسام وتجريفه إلى القلوب في العذاب الأدنى كما ذكر فيما قبلها للعذاب الأكبر الأخفى، محذراً من الوجاهة في الدنيا وعلو الرتبة، مشيراً إلى أنها كلما عظمت زاد ضررها بما يكسبه من الطغيان حتى ينازع صاحبها الملك الأعلى ).(8)

في ذكر هلاك أصحاب الفيل موعظة وعبرة لكل هماز متكبر فالجاه والمال لا قيمة لهما أمام أمر الله فلا يجديان نفعاً إذا وقع العذاب.

المبحث الثاني: موضوعات سورة الهمزة

(غرض هذه السورة وعيد جماعة من المشركين جعلوا همز المسلمين ولمزهم ضرباً من ضروب أذاهم طمعاً في أن يلجئهم الملل من أصناف الأذى، إلى الانصراف عن الإسلام والرجوع إلى الشرك.)(9)

المطلب الأول: الهمز واللمز وأثرهما على الفرد والمجتمع.

يقول تعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ الهمزة: 1 ابتدأت الآيات بالوعيد للدلالة على عظم وقع التهامز على القلوب وأثرها على العلاقات من تقطيع للأرحام وتفسيد للعلاقات الاجتماعية دون فوائد عائدة على الهماز إلا زيادة مرض قلبه وبعده عن نهج ربه، والرسول صلى الله عليه وسلم رغم علو درجته وكمال صفاته البشرية إلا أنه لم يسلم من أذى المنافقين أصحاب الهوى والباطل فهذا أحد المنافقين يعيب على النبي صلى الله عليه وسلم تقسيم الغنائم ويتهمه بالبعد عن العدل يقول تعالى واصفا ذلك ﴿ومِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ (التوبة: 59).

إذا الهماز يعيب غيره لمرضٍ يعتري قلبه ونقصٍ يعتري نفسه ولو عبد الله حق عبوديته واستشعر برقابته لكانت آية سورة غافر نصب عينيه يقول تعالى﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾(غافر: 19).

(يقول جل ذكره مخبراً عن صفة نفسه: يعلم ربكم ما خانت أعين عباده، وما أخفته صدورهم، يعني: وما أضمرته قلوبهم؛ يقول: لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ما يحدث به نفسه، ويضمره قلبه إذا نظر ماذا يريد بنظره، وما ينوي ذلك بقلبه)(10).

يقول ابن قدامة (ومتى خطر لك خاطر سوء على مسلم، فينبغي أن تزيد في مراعاته وتدعو له بالخير، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك، فلا يلقى إليك خاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة. وإذا تحققت هفوة مسلم، فانصحه في السر. واعلم: أن من ثمرات سوء الظن التجسس، فإن القلب لا يقنع بالظن، بل يطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس، وذلك منهي عنه؛ لأنه يوصل إلى هتك ستر المسلم، ولو لم ينكشف لك، كان قلبك أسلم للمسلم)(11).

إن من أجمل نعم الله تعالى أن يمن عليك بقلب سليم تحمل فيه الود لكل مسلم لأن من آثار سلامة القلب من الشرك أن يسلم قلبك تجاه أخيك المسلم، وفي ذلك آثار تعود على المجتمعات بالتماسك وانتشار الود والفضائل، لذلك أمرنا الله سبحانه وتعالى بأعمال ونهانا عن أعمال ليُطهر قلوبنا ويذهب ما بها من أمراض وأحقاد لتسمو نفوسنا نحو الخير وحبه لأنفسنا وللمسلمين حولنا فلو نظرنا إلى قوله﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ نجد الوعيد في العقاب في كلمة ويلٌ (ومعناه: الخزي، والعذاب , والهلكة وقيل: وادٍ في جهنم.)(12)و( كلمة كل تشعر بأن المهددين بهذا الوعيد جماعة وهم الذين اتخذوا همز المسلمين ولمزهم ديدنا لهم)(13) ومن أكثر من شيء عرف به.

والهمز واللمز وجهان لعملة واحدة قال أبو عبيدة، والزجاج: (الهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس، وعلى هذا هما بمعنى) وقال أبو العالية، والحسن، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح: (الهمزة الذي يغتاب الرجل في وجهه، واللمزة: الذي يغتابه من خلفه. وقال قتادة عكس هذا ((14)

وعلى كلٍ فعيب الناس في وجههم وفي غيبهم صفة ذميمة يتصف بها صاحب قلبٍ مريض ابتعد بفعله هذا عن رضا ربه وعن حب قلوب البشر.

المطلب الثاني: جمع المال وأثره على الفرد والمجتمع

يقول تعالى بعد ذكر من يعيب الناس ويذمهم الَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يحسب أن ماله أخلدهالهمزة 3

المال في حقيقته فتنة إما أن يكون نعمة على صاحبه إذا أنفقه بقدر وبما أحله الله وأدى حق الله فيه ويكون نقمة ووبالاً على صاحبة إذا أسرف في النفقة أو قتّر على نفسه ومن يعول وامتنع عن أداء حق الله فيه خشية نقصانه وخشية الوقوع في الفقر فسبحان الله تجد أحياناً أصحاب الأموال يعيشون حياة الفقراء بسبب خوفهم من الفقر لا تجد أثراً للنعمة عليهم والأموال في البنوك مكدسة إلى أن تأتيها جائحة يعتقد صاحبها بسبب جشعه وطمعه أن خلفها وادياً من ذهب وإذا بها تقضي على ماله وتجعل حياته حياة فقر حقيقي تماماً كما كان يعتقد يقول صلى الله عليه وسلم: (قال الله أنا عند ظن عبدي بي)(15).

وهذا الإنسان بفرط غفلته يحسب أن ماله أخلدهحبه للمال وطغيانه على فكره يعتقد أن السعادة تكون بجمعه وتكثيره متناسياً الحياة الأخرى يقول أبو السعود: ” طوّل المال أمله ومناه الأماني البعيدة حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله يحسب أن المال تركه خالداً في الدنيا لا يموت (16) وربما أصبح عبداً للمال وهو لا يعلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة(17) إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض.”(18)

فمن كان هدفه المال سيطر على فكره فيرى في ميزان عقله أن الأفضلية تكون بالمال فصاحب المال برأيه صاحب سلطان وجاه وقليل المال محتقر لا قيمة له مثال ذلك ما وصف الله به قلوب بعض ضعاف النفوس حين شاهدوا قارون في زينته وكنوزه يقول تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (القصص: 79) لكن مشيئة الله تعالى وحكمته جعله درساً وعبرة لمن رأه ولمن جاء من بعده يقول تعالى ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (القصص: 81- 82)

فالمال إذا لم يعتبره الإنسان وسيلة يطيع الله فيها كان عليه نقمة ووبال دنيا وآخرة فلننتبه وليتدارك كل من أساء التصرف قبل أن يأتيه الموت فجأة.

وفي تكديس المال أضرار على المجتمع بأسره فلو استغل كل شخص ماله بالتجارة والنماء حتماً سيعود نفعه على المجمع، ستنتهي البطالة من المجتمعات ويقضى على الفقر والحاجة إلى الأخذ من البنوك الربوية.

المطلب الثالث: عاقبة الهماز

لكل أمر مستقر ولكل حياة ممات وبعد الممات تجد كل نفس ما قدمت، كل الموازين البشرية تسقط ولا يبقى إلا ميزان الحق تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾” (الأنبياء: 47 )

عندها لا ينفع مال ولا سلطان ﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (الحاقة: 28- 29).

فلا يلقى الهماز في آخرته غير سوء فعله عاقبة ما جنى على نفسه لا ينفعه كِبره ولا بخله ولا يدفع ماله العذاب عنه يقول تعالى﴿ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴾فإن كان المال سبب كبره كانت العاقبة من جنس العمل أراد التكبر واحتقار الناس كانت النتيجة احتقاره في الحياة الأبدية حيث لا نجاة ولا خلاص وكما أنه حبس ماله وبخل به كانت النتيجة النبذ في هذه النار الحارقة التي وقودها الناس والحجارة وعليه ينبغي على المرء أن يضع كل شيء في موضعه فالمال بيده رزق من الله ليس لأنه هو من يستحقه فإذا اتخذ المال سبباً لكسر قلوب الناس وهمزهم كان سبباً لكسر صاحبه وتحطيمه مع النبذ والاستخفاف بشأنه يقول الرازي: “ذكره بلفظ النبذ الدال على الإهانة لأن الكافر كان يعتقد أنه من أهل الكرامة وقرء لينبذن أي هو وماله ولينبذن بضم الذال أي هو وأنصاره(19) والحطمة النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يطرح فيها(20)

المطلب الرابع: أوصاف النار

لكل قول وعمل جزاء من الله تعالى إن خيراً فخير وإن شراً فشر ومنهج القرآن الترغيب في الخير والترهيب من الشر فلو نظرنا إلى الهمز والكبر وجدناها أعمال خللها فساد القلب يقول صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر(21)

فهذا المرء عليه من العذاب ما يستحقه فكلنا من آدم وآدم من تراب فلما التكبر!

وحقيقة العذاب لا يعلمها إلا الله فالإنس والجن يعلمون من العذاب ما جاء به الوحي، والخبر ليس كالمعاينة فحتى تكون صورة العذاب واضحة ذكرت الآيات ما يتحقق به التهويل والتنفير من هذا الفعل الشنيع ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (الهمزة: 5-7).

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ الاستفهام يدل على التعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها.”(22)ببيان أنها ليست من الأمور التي تنالها عقول الخلق(23) فطالما نحن في هذه الحياة تكون عقولنا البشرية محدودة بما تدركه أبصارنا فالنار في الآخرة تختلف عما عهدناه في هذه الحياة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم قيل يا رسول الله إن كانت لكافية قال فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها.”(24)

وفي حديث آخر واشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير.”(25)نسأل الله العفو والعافية

ومن شدة حرارتها أنها يطلع ألمها ووهجها القلوب(26)تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ وخص الأفئدة لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه. أي إنه في حال من يموت وهم لا يموتون؛ كما قال الله تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ طه: 74 فهم إذاً أحياء في معنى الأموات. وقيل: معنى ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب؛ وذلك بما استبقاه الله تعالى من الأمارة الدالة عليه.”(27) ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ (الرحمن: 41)

المطلب الخامس: نتيجة الهمز وجمع المال دون إخراج زكاته

لكل عمل ما يناسبه من العذاب فالذي أغلق عقله وأحاط نظره في التطلع إلى غيره وأشغل نفسه بعيب الناس ونقدهم ونسي تقيم وتعديل سلوك نفسه، يستحق أن تحيط به النار من كل صوب وتؤصد أبوابها عليه

لا مجال وقتها للهروب ولا للخروج المؤقت﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴾ إن الحطمة التي وصفت صفتها عليهم، يعني: على هؤلاء الهمازين اللمازين {مؤصدة}. يعني: مطبقة(28)

ومعنى إيصادها عليهم: ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه كحال المساجين الذين أغلق عليهم باب السجن تمثيل تقريب لشدة العذاب بما هو متعارف في أحوال الناس، وحال عذاب جهنم أشد مما يبلغه تصور العقول المعتاد(29).

فهذا العذاب من جنس عملهم فالشخص المعاب يضيق صدره وقد يعتريه الهم والغم من كلام يسمعه أو سلوك يُقترف في حقه.

ومن امتنع عن دفع الحقوق من ماله وحرص على كنزه ونسي حقوق العباد المتعلقة بالمال ذاق وبال فعله يقول تعالى﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ َوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: 34-35).

فعليه من العذاب ما يستحق فهم مع حبسهم في النار مقيدين بقيود طويلة متينة كما أنهم في الدنيا جمعوا بين الهمز والكبر وبين البخل والكبر استحقوا عذاباً جُمع فيه بين الحبس والقيد ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾

يقول الفخر الرازي: ” إنها عليهم مؤصدة حال كونهم موثقين في عمد ممددة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص(30) نسأل الله معافاته وأبعد الله عنا سماع حسيسها وأدخلنا في روضات الجنات مع الأنبياء والشهداء إنه سميع مجيب الدعوات.

المبحث الثالث: الأساليب الدعوية والتربوية في علاج الهمز واللمز وداء تعلق القلب بالمال

يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل: 125).

أوجب الله تعالى على هذه الأمة مسؤولية الدعوة إلى الله، كل مسلم بحسب علمه ومقدرته على تغير المنكر يقول صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».31 فمن تمام الحكمة أن يغير المسلم المنكر بحدود قدرته لحفظ الداعية وحمايته و حتى لا ينفر الناس من الدين وحتى تتحقق الحكمة والموعظة الحسنة عند المؤمن لا بد له من اتباع الأساليب الدعوية والتربوية في الدعوة إلى الله لعلاج كلٍ من الهماز واللماز وكل من تعلق قلبه بالمال فطغى وتكبر بشيء لا يملك خزائنه إلا الله تعالى.

الأسلوب الأول: إخلاص النية لله تعالى

مخاطبة الناس بقضايا الدين مطلقاً وبالأخص في وقتنا الحاضر أمرٌ يصعب على النفس بسبب النفور العام من الدين و أهله، تجد أن الناس يتناقشون في كل قضايا الحياة الدنيوية والجميع يتفاعل، لكن عند التحدث عن الجوانب الدينية في الغالب ومن خلال تجربتي مهما كان الأسلوب لطيفاً تجد من يتصدى ويراوغ ويتبجح بما يمليه عليه هواه، لذلك إن لم تكن عند الداعية النية الخالصة الصادقة لله تعالى لنفر من الاستمرار في الدعوة، أما من يخلص نيته فهو يحرص كل الحرص على تبليغ أمر الدعوة دون انتظار النتائج فالنتيجة بيد الله وحده يقول دراز إخلاص النية ينحصر في أن يستغرق الإنسان استغراقًا مطلقًا في العمل التكليفي، منقطعًا عن أية نتيجة32

الأسلوب الثاني: أخلاق الداعية نفسه

الجانب العملي لأخلاق الداعية نفسه أنجح الأساليب في علاج غالب مفاسد المجتمعات من خلال القدوة الصالحة، فرب صفة واحدة مما يأمر به الدين تترجم حية على يد مسلم صالح، يكون لها أثر لا يمكن مقارنته بنتائج الوعظ المباشرة؛ لأن النفوس قد تنفر من الكلام الذي تتصور أن للناطق به مصلحة، وأحسن تلك الصفات التمسك بالأخلاق الحميدة التي هي أول ما يرى من الإنسان المسلم، ومن خلالها يحكم له أو عليه من الله، ثم من قبل الناس33.

الأسلوب الثالث: الترغيب والترهيب

ينبغي على الداعية المسلم أن يخاطب الوجدان في الشخص المدعو فيستثير عاطفته إما بترغيبه بما أعده الله لمن كف أذاه عن غيره وجاهد نفسه عن الهمز واللمز وجاهد قلبه عن التعلق بالمال منتظراً ما أعده الله له من النعيم الدائم وإما بتنفيره من عقوبة الله تعالى لكل من آذى الناس وخالف أمر الله تعالى في كف أذاه عن المسلمين يقول صلى الله عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده34

وما ينتظره جراء تكبره من عقوبة قد تكون دنيوية وأخروية يقول صلى الله عليه وسلم العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته35

والذنب في حد ذاته قبيح يقول تعالى يصف الغيبة ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(الحجرات: 12).

وعندما وصف عقوبة التمسك بالمال وعدم إخراج حق الله منه يقول تعالى ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: 35).

الأسلوب الرابع: حوار العقل

لا بد للداعية من مخاطبة العقل فالعقل مناط التكليف ولا بد من مدخل وجانب عقلي من خلاله تحاول إقناع المخاطب ليبتعد عن الهمز واللمز والتعلق بالمال.

فمثلاً يعمل مقارنة بين عيب الناس ومدحهم وأثر ذلك في قلب من أتحدث إليه، عيب الناس لا يعطي نتائج بل يشعل الأحقاد في القلوب وعلى العكس فالمدح يجذب القلوب ويجعلها تُقبل على من أثنى عليها ومن خلال ذلك أستطيع أن أقدم النصح لهم بدل ذمهم.

من يتمسك بالمال ويكثر منه ومن خلاله يتكبر على غيره لابد من سؤاله هل المال ثابت له؟ لو انتهت حياته هل سيأخذ منه شيء؟ هل يستطيع من خلال المال أن يشتري الرضا والسعادة؟ هل المال يستطيع أن يعيد له ما مضى؟ إن مثل هذه الأسئله قد تحرك قلبه وتجعله ينظر للمال بعقله لا بهواه

الأسلوب الخامس: الدعاء

لو بذل الداعية كل جهده في نصح قريب ولم يحرك ذلك فيه ساكن واستمر في مخالفة أمر الله فلربما كان القريب مثلاً أماً أو أباً وما أعظم منزلتهما في القلب وكم يخشى الإنسان عليهما من غضب الله، وقتها لا يملك لمن يدعوه لأمر الله إلا الدعاء فالدعاء يفعل الأعاجيب فكم من أمر ٍتظن أنه انتهى ولا مجال لتحصيله لكنه بالدعاء يأتي بلا ميعاد ويتحقق بفضل الله يقول تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر : 60)

الأسلوب السادس: ضرب الأمثله وذكر القصص لأخذ العظة والعبرة

من الطرق التربوية لتعديل السلوك الخاطئ القصة وضرب المثل تجد أن الله تعالى في أكثر من موضوع في القرآن ضرب الأمثال وذكر القصص للأنبياء والصالحين وللمفسدين والمضلين

أما عن ضرب المثل فهو يقرب الصورة للعقل ويجعله يحكم على قبح الخطأ بنفسه مثال ذلك ما ضربه الله تعالى مثلاً للشخص المغتاب لينفره من ذلك36 فالمثل بمثابة سؤال جوابه واضحٌ كالشمس عند من تحاوره حتى لو حاول أن يراوغ إلا أنه سيبقى في قرار نفسه يعلم الإجابة.

وكذلك القصص فلكل قصة نتيجة تخبر عن حسن ما كان فيها من أحداث أو قبح ما تناولته كقصة أبو لهب وأم لهب وما حل بهما جراء تكبرهما وقصة استخفاف فرعون لبني إسرائيل وسخريته من موسى وقصة قارون ونهايته مثل هذه القصص التي أسفرت عن هلاك وعقاب من عصى الأنبياء كفيله أن تجعل المتمسك بالذنب أن يقلع عنه وأن يمتدح الناس بدل عيبهم وينفق ماله بدل تكديسه وتجميده.

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبفضله ترفع الدرجات اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد انتهائي من هذا البحث وصلت إلى النتائج التالية:

  1. فكما يظهر إعجاز القرآن الكريم في ترتيب آياته يظهر في ترتيب السور فمن خلال ترتيب سورة الهمزة في القرآن نجد علاقة قوية بينها وبين السورة التي قبلها والسورة التي تليها.
  2. سورة الهمزة من السور القصار التي دار محورها حول موضوع واحد يتضح من خلال اسم السورة نفسها وهو الهمز وما ينتج عنه من التكبر المذموم الذي يستحق صاحبه الملامة والعذاب.
  3. استعظام الصغائر في نفس المسلم درعاً واقياً من الوقوع في الكبائر.
  4. تكبر الناس وغمطهم للحق لا يثني الداعية عن دعوته.
  5. المال فتنة فهو مصدر سعادة الإنسان في الدنيا وقد يكون سبب عذابه وشقاء حياته في الآخرة إن أساء الاعتقاد والتصرف فيه.
  6. الشخص الهماز والمتكبر عليه من العذاب ما يستحق فكما حطم نفوس بهمزه وتكبره استحق من العذاب التحطيم في نار جنهم لذلك ناسب اسم الحطمة لجنهم في هذا المقام.
  7. أشد أنواع العذاب ما يصل إلى القلوب فالهماز يعذب قلوب الناس في الدنيا وعذاب جهنم سيصل حتما إلى قلبه ليصل إلى درجة الموت وما هو بميت.
  8. حرارة جهنم فوق إدراك العقول فالخبر ليس كالمعاينة.
  9. الدعوة عبادة فعلى الداعية الاتباع لأمر الله حتى لو خالف هواه لا الابتداع بما يناسب هواه.
  10. المقارنة بين الخير والشر تجذب المسلم نحو الخير وتصرفه عن الشر.

التوصيات:

  1. على المسلم أن يضع الدنيا بيده قبل أن تضعه في قبضتها.
  2. على الداعية أن يكون بلسماً للقلوب مداوياً للجراح يبتعد عن كل ما فيه كسر للقلوب وطعن للنفوس.
  3. أهمية الابتعاد عن الصغائر وعدم ائتلافها حتى لا يصل القلب لدرجة استصغار الكبائر.
  4. من أسباب ابتعاد الناس عن الدعاة سوء أخلاق بعض الدعاة مع ذويهم، لذلك على المسلم اتباع المنهج الرباني في التعامل مع النفس والأهل والآخرين.

قائمة المصادر والمراجع

  1. ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، التبيان في أقسام القرآن، تحقيق محمد حامد الفقي، دار المعرفةبيروت
  2. ابن عادل، أبو حفص عمر بن على ابن عادل الدمشقي الحنبلي، تفسير اللباب، دار النشر / دار الكتب العلمية ـ بيروت
  3. ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي لتحرير والتنوير، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان الطبعة الأولى، 1420هـ/2000م.
  4. ابن قدامة، نجم الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، مختصر منهاج القاصدين، تقديم محمد أحمد دهمان، دار البيان. دمشق1398
  5. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1420هـ – 1999 م
  6. أبو السعود، محمد بن محمد بن مصطفى، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، (بيروت: دار إحياء التراث العربي).
  7. أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، البحر المحيط، تحقيق صدقي محمد جميل دار الفكر –بيروت -1420.
  8. البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، صحيح البخاري، تحقيق مصطفى البغا، دار ابن كثير – بيروت الطبعة لأولى، 1407 – 1987
  9. البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، معالم التنزيل، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي –بيروت – ط11420
  10. البقاعي، برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، نظم الدرر نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، تحقيق: عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية بيروت – 1415 – 1995 م
  11. البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار الفكر – بيروت، تحقيق وتخريج الأحاديث محمد عبد الله النمر عثمان جمعة ضميرية سليمان مسلم الحرش
  12. الخراز، خالد جمعة عثمان، موسوعة الأخلاق، ط1، مكتبة أهل الأثر، الكويت، 2009
  13. دراز، محمد عبدالله دراز، دستور الخلاق في القرآن، ط10، مؤسسة الرسالة، 1998
  14. الرازي، فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي، مفاتيح الغيب، دار النشر: دار الكتب العلمية – بيروت – 1421هـ – 2000 م الطبعة: الأولى.
  15. الزحيلي، وهبة بن مصطفى الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دار الفكر المعاصر – دمشق الطبعة: الثانية، 1418 هـ.
  16. الشوكاني، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير.
  17. الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ – 2000 م.
  18. العيني، بدر الدين العيني الحنفي، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي –بيروت
  19. الفيروزآبادي، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة
  20. القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير القرطبي، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ – 1964 م
  21. قطب، سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق ـ القاهرة –ط17 -1412
  22. النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

1() الفيروز أبادي، بصائر ذوي التميز، 1/543.

2() ابن عاشور، التحرير والتنوير، 30/470

3() الزحيلي، التفسير المنير، 30/396

4() البقاعي، نظم الدرر، 21/ 121

5() البقاعي، نظم الدرر، 8/525، 526

6() ابن القيم، التبيان في أقسام القرآن، ص2.

7() الزحيلي، التفسير المنير، 29/311

8() البقاعي، نظم الدرر، 8/528

9() ابن عاشور، التحرير والتنوير، 30/470

10() الطبري، جامع البيان، 20/303

11() ابن قدامة، مختصر منهاج القاصدين 172

12() ابن عادل، تفسير اللباب، 1/5342

13() ابن عاشور، التحرير والتنوير، 30/471

14() الشوكاني / فتح القدير، 8/58

15() البخاري، صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى ويحذركم الله نفسه 6/2694 رقم 6970

16() أبو السعود، ارشاد العقل السليم لمزايا الكتاب الكريم، 7/56

17() القطيفة الدثار المخمل وهو الثوب الذي له خمل والخميصة الكساء الأسود المربع (العيني، عمدة القاري33/196

18() البخاري، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقي من فتنة المال 5/2364 رقم 6071

19() الرازي، مفاتيح الغيب، 32/88

20() البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/529

21() النيسابوري، صحيح مسلم1/65

22() القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 20/184

23() أبو السعود، ارشاد العقل السليم لمزايا الكتاب الكريم، 7/57

24() البخاري، صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار و أنها مخلوقه 3/1191 رقم 3092

25() البخاري، صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وانها مخلوقة، 3/1190 رقم3087

26() الطبري، جامع البيان، 24/622

27() القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 20/185

28() الطبري، جامع البيان، 24/622

29() ابن عاشور، التحرير والتنوير، 30/476

30() الرازي، مفاتيح الغيب 32/287

31() النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، 1/ 69 رقم 49

32() دراز، دستور الأخلاق في القرآن، ص504

33() الخراز، موسوعة الأخلاق، ص6

34() النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل 1/ 65 رقم41

35() النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكبر4/ 2023 رقم 2620

36() سبق ذكره ص18

==> أرسل بحثك <==